أجيــال

أجيال من البشر، أجيال من الوسائط : قراءات في الزمن الميدياتيكي. طرح لقضاياالإعلام والاتصال المهنيّة والأكاديميّة

الصّناعات الإعلاميّة العربيّة

الصّناعات الإعلاميّة العربيّة

قراءة في وسائل الإنتاج*

 

د. عبدالله الحيدري

 قسم الإعلام جامعة البحرين

 

 

 

تمهيد

تعيّن علينا، ونحن ندرس ملامح الصناعات الإعلاميّة و أدواتها في الفضائيات العربيّة، النظر في خصائصّ السّياق الذي يحتضنها لإدراك ما إذا كانت  لطبيعة الثوابت و المتغيّرات في أطوارها صلة بما يحدث اليوم من تراكم  في الإنتاج و تبدّل في القيم، و الاهتمام بمعطيات السّياق لفهم الموضوع أمر أصبح من البديهي الأخذ به مع شيوع  استخدام المقاربة النّظميّة أو ما يعرف في الفكر الإداري بمدخل النّظم المؤدّي إلى توضيح البنى و التراكيب العلائقيّة. و السّياق الذي نعنيه، رغم كونه واقعا مخصوصا، فإنّ هيئته قابلة للانقسام في وجود عوامل إقليميّة و أخرى دوليّة، مرتبطة بعضها ببعض، و هي الأصل في التشكّل الحالي للمشهد الإعلامي العربي.

تقدّم الأدبيّات (1) التي اعتنت بدراسة الواقع الإعلامي العربي توصيفا يتخذ شكل الخطاب المنمّط، المغالي لدور السّلطة السّياسيّة في إدارة شؤون الإعلام و لا يخلو طرح في هذا الباب من الإشارة إلى موضوع الرّقابة و تأثيرها  في إنتاج المضامين و توجيه الأحداث، إلى حدّ اعتبار السّلطة السّياسيّة  العلّة العليا لما يسود القطاع من اضطراب و ارتجال وقصور في المعالجة الخاطئة للواقع الاجتماعي (2)، وهي حقيقة لا يجوز نفيها كلّيا لمّا ندرك أنّ مؤسّسات البث الكبرى في البلدان العربيّة تحتكرها الدّولة، و أنّ السّياسات الإعلاميّة تخدم في المقام الأوّل المشروع السّياسي لنظم الحكم القائمة. ولكنّ وراء هذه الحقيقة الثابتة تحتجب حقائق أخرى لم تحظ بالفحص المبني الدّقيق من قبل الباحثين في الإعلام و الاتصال إمّا لكونها، في نظرهم، لا تنتسب إلى مجال اهتماماتهم  العلميّة وهي، بالتالي، راجعة بالنّظر إلى حقول معرفيّة أخرى، أو لاعتبارها قضايا فرعيّة لا تتمّ معالجتها في نسق مستقلّ بل ضمن القصد الحاصل في القضيّة الأمّ و هو أن يكون المدخل السّياسي موضع التفكير و منطلقه في أمر الصناعات الإعلاميّة بشكل عام، و من الواضح، عندما يكون النظر في موضوع الإعلام زاويته  السلطة السّياسيّة، تغيب قضايا اللّغة و البناء عن اهتمامات الباحث، وهي التي ينبغي منحها من التفكير ما يسمح بترميم العلاقة، اليوم، بين الإعلام و اللّغة، لأنّ العلاقة، في ما نرى، معتلّة تماما، و من الخطإ  اتهام السّلطة السّياسيّة و الإشارة إليها بوصفها السّبب الرّئيسي في تدنّي قسم كبير من الإنتاج الإعلامي بالمنطقة العربيّة، فالإعلام السّليم لا تنبثق ملامحه من قرار سياسي.

 هكذا تبدو الرّواسب الإقليميّة الكبرى التي يختصّ بها  الإعلام العربي محتفظة بما استقرّ حولها من اتفاق صريح اصطلح على تسميته بـ : " إعلام السّلطة "، و معربة في الوقت ذاته عن قطيعة حقيقيّة بين الخطاب العلمي و الحقول المهنيّة في الاتصال، علما بأنّ هذا الخطاب لا يستهدف، في جزء كبير منه، معالجة ما تطرحه نظريات الإعلام و الاتصال من مشكلات إبستمولوجيّة يقوم عليها إنتاج المفاهيم و تطوير مضامين الإعلام  و أساليب التكوين و التعليم، إنّما هو غارق في محيط المناهج الوصفيّة و التاريخيّة، و دراسات تحليل المضمون.

أمّا في ما يتعلّق بالعوامل الدوّليّة المحيطة بواقع الصّناعات الإعلاميّة العربيّة، فهي من طبيعة مختلفة عمّا تقدّم ذكره، وأبرز مايميّزها يستمدّ تفسيره من منطقين أساسيين : منطق تقني فرضه التسارع التكنولوجي في الاتصالات و المعلوماتيّة   والمجال السّمعي المرئي، أدّى إلى ظهور استخدامات جديدة لوسائط المعرفة و أتاح مرونة لا مثيل لها في نقل المعلومات وتبادلها، و منطق اجتماعي تشكّلت ملامحه بمقتضى التحوّل من مجتمع الحداثة إلى مجتمع ما بعد الحداثة الذي انحرفت قيمه و لم يعد يكبحها  منطق سوى المنطق المنظّم لسوق المضامين  الدّال على حال ما يعرف اليوم بالثقافة المنمذجة أو المنمّطة و هي سوق حقيقيّة تنشّطها مخابر الصّور الأورو – أمريكيّة بفيض هائل من الصناعة الثّقافيّة و تجمع المستثمرين في المجال السّمعي المرئي و المستهلكين و القائمين بالإعلان، و ظهر، ضمن هذا السّياق العالمي، جمهور جديد، صعب المراس، يستكره أسلوب التسلّط التقليدي الذي مارسته وسائل الإعلام على امتداد نصف قرن لأنّ الوسائل ذاتها تعمل اليوم على أن تستجيب إلى ميول الفرد وتروم تحقيق انتظاراته من دون اعتبار  قواعد العقل والمنطق السّليم عبر كامل مراحل الإنتاج و البث.

 

مشكليّة البحث

        عندما  قال مارشال ماك لوهان : " الرّسالة هي الوسيلة " كان يطرح بعض الأفكار الهامّة الغائبة عن أدبيات الاتصال و هي التي تبحث في العلاقة بين مضامين الإعلام و حواملها لفهم القصد الاتصالي، و لا ريب أنّ الجزء الأهمّ ممّا ذهب إليه ماك لوهان هوّ الذي يجري فيه الاعتناء بدراسة الوظائف الإخباريّة للوسائط التقنيّة لأنّ الوسيط ليس بمجرّد عيّن ماديّ  يتمّ إدراكه خارج سجلّ المعاني، إنّه جزء لا يتجزّأ من المضمون المستقرّ في حدوده ، ولكنّ أمر الوسائط  يشمل من التركيب ما يجعل كل عنصر محدث للمعنى أو معين لتوضيحه و ترسيخه في الأذهان وسيطا ضمن سلسلة من الوسائط المتراصّة التي يحتاجها بناء المعاني و تحديد القصد الاتصالي، و من الصّعب في هذه الحالة  الإحاطة بكلّ الفئات الوسائطيّة التي تتخلّل مراحل تشكّل الرّسائل لأنّ بعضها ينتسب إلى حقول معرفيّة متشعّبة الفروع، و البعض الآخر ينتمي إلى الوسط الطبيعي، و إلى مجال التقنيات المعروف بمجال الوسائل و الأجهزة الإلكترونيّة، في حين نجد فئة رابعة جامعة للعنصر البشري المؤلّف من فنّيين و مبدعين و ما يعرف عند كورت لوين بـ : حرّاس البوّابة، ولو عدنا إلى ما ذهب إليه ريجيس دوبري (3) في تحليله للوساطة لاعتبرنا جميع عناصر العالم وسائط، وهي كذلك لأنّ كلّ ما يحدث حولنا يكيّفه المجال الوسائطي، كما إنّه من الصّعب الفصل بين مفهوم الوسيط و مفهوم الوسيلة خصوصا عندما يكون من الجائز أن يستنفذهما تعبير واحد يستمدّ وضوحه من تماثل الوظائف الجارية بينهما. و لمّا كان الموضوع الأساسي هوّ وسائل الإنتاج الإعلامي العربي، فإنّ الدّراسة ستعنى بفحص الوسائط المركزيّة لهذا الإنتاج بوصفها وسائل محدثة لصناعة مادتها الصّورة بالمعنى الشّامل للكلمة حتى يتمّ التحقّق في ما إذا كان للعامل التكنولوجي من أثر في اضطراب آليات الإنتاج الإعلامي العربي خصوصا لمّا نعلم أنّ الإنتاج المستورد (أفلام و مسلسلات، و أفلام موجّهة للطفل) يفوق الخمسين بالمائة من الحجم الجملي للإنتاج المحلّي في هذه المادّة، أم أنّ السّبب المباشر في ما تقدّم ذكره  يعود إلى غياب المؤلّفين و المبدعين أصلا لأنّنا نلاحظ استمرار المؤسّسات التلفزيونيّة العربيّة في الاعتماد على الإنتاج المدبلج (الدرامي بالخصوص) بشكل ملفت للانتباه. وقد يجوز أيضا أن تكون علاقة المبدع بتكنولوجيا الإعلام و الاتصال على درجة من عدم الثبات ممّا يؤدّي إلى تراكم المساحات الخالية في مواطن الإنتاج، خصوصا لمّا ندرك أنّ أغلب مواقع الواب يحتلّها اليوم الإنتاج الأمريكي. فواقع الأمر هوّ أنّ الإنتاج الإعلامي العربي، في جزء كبير منه، إنتاج مستورد سواء تعلّق الأمر ببرامج التنشئة، أو بالبرامج العلميّة، أو بالمسلسلات و الأفلام بالرّغم من الجهود العربية، الرّسميّة منها و الخاصّة، السّاعية إلى احتواء الظاهرة من خلال دعم حجم الاستثمارات في القطاع السّمعي المرئي و توسيع شبكة القنوات التلفزيونيّة المتخصّصة و النهوض بالإنتاج المحلّي بما يجعله قادرا على منافسة الإنتاج الأجنبي، إلاّ أنّ هذا السّعي يختلف من بلد عربي إلى آخر و نجده في مصر خاصّة و سوريا متجسّدا في تنامي حجم الأعمال الدراميّة    

 

منهجيّة البحث
لقد تقرّر، على هذا الأساس، إجراء الدّراسة باعتماد التحقيق السّوسيولوجي (4) طريقة موصلة للكشف عن واقع الإنتاج الإعلامي العربي و بالاستناد إلى الملاحظة المنظّمة لاعتبارها أداة لجمع المعلومات تتيح فهم المعطيات الرّقميّة و معالجتها و لكونها أيضا تتميّز بـ " الدقة و العمق و التركيز (...) و تنحصر في موضوعات محدّدة سلفا " (5). و التحقيق، إذ جرى في بدايته انطلاقا من قاعدة بيانات تمّ ضبطها من قبل فريق عمل في صلب اتحاد إذاعات الدّول العربيّة (6) و تجمع عيّنات من القنوات التلفزيونيّة، الحكوميّة و الخاصّة، من مختلف الدّول العربيّة،  فإنّه استهدف في آخر الأمر، و إلى حدود سنة 2000، سبعة بلدان عربيّة فقط (7)، نشطت مؤسّساتها التلفزيونيّة في التعامل مع نصوص الاستمارة الموجّهة إليها بدقّة ممّا ساعدنا في الحصول على قدر معيّن من المعلومات الأساسيّة أفادتنا في قراءة ملامح الإنتاج الإعلامي العربي و وسائله. و العيّنة الجغرافيّة للبلدان المذكورة (انظر الهوامش) إنّمـا تمّ اختيارها على نحو يجمع الخصـــائص المختلفـــة للبنى الاجتمــــاعيّة و السّياسيّة و الاقتصاديّة، و الطبيعيّة العربيّة و تراوح بين المغرب العربي، و الشّرق الأوسط  و منطقة الخليج العربي، فالإنتاج الإعلامي التلفزيوني في هذه المناطق إنّما تكيّفه عوامل جغراسياسيّة تختلف من منطقة إلى أخرى إضافة إلى التفاوت في الموارد البشريّة و الماديّة بين الجهات المشار إليها، فمنطقة المغرب العربي على سبيل المثال تنتمي جغرافيّا إلى القارّة الإفريقيّة، ونجدها ثقافيّا و اقتصاديّا مفتوحة على أوروبا ممّا يؤثّر في آليات الإنتاج الإعلامي سواء في مستوى الوسائل أو في مستوى المضمون، و يجعلها منسجمة مع طبيعة الصّلة الوثيقة بالبلدان الأوروبيّة، نذكر فرنسا في المقام الأوّل. هذه الملامح إنّما تتسم بها المنطقة المغاربيّة دون غيرها من البلدان العربيّة الأخرى، فمن البديهي إذن أن يكون لكلّ منطقة عربيّة حضور ضمن عيّنة البحث حتى يتمّ تمثيل المجتمع الأصلي للبحث تمثيلا صحيحا، و يتسنى بذلك الخروج برؤية شاملة واضحة بشأن وسائل الإنتاج الإعلامي العربي. وينسجم هذا الإجراء مع خصائص العيّنة العمديّة Purposive sample " التي تعطي صورة صحيحة للمجتمع بأكمله " (8). أمّا مفردات العيّنة الجغرافيّة و المقصود بها مؤسّسات الإنتاج التلفزيوني، فقد تمّ ظبطـها وفق خصائص العيّنة العشــوائيّة، وهي التي يراعى في أخـذها " تكافؤ فرص الاختيار بين جميع الوحدات "(9)، ذلك لأن عدد مؤسّسات الإنتاج في العديد من البلدان العربيّة مرتفع  لا يسمح بدراسة كل المفردات، فاعتماد العيّنة العشوائيّة البسيطة يناسب في تقديرنا وضعيّة الحال.  أمّا معالجة المعلومات (10) الواردة من المؤسّسات المذكورة، فإنّها تمّت وفق تفريع رباعي  يلخّص وحدات التحليل التالية :

·       الكفاءات الإبداعيّة

·       الكفاءات الفنّية والتقنيّة

·       الكفاءات الإداريّة

·       فضاءات الإنتاج

يتيح هذا التفريع المنهجي دراسة الموضوع من مختلف جوانبه فهو يسمح بإبراز المتغيّرات المحليّة والإقليميّة المكيّفة للصّلات الموضوعيّة بين  وسائل الإنتاج لأنّ الأصل في المشكل الذي سبق عرضه إنّما يعود إلى البحث في طبيعة النّظام العلائقي للوسائل ذاتها و هي دون ريب المحرّك الاساسي للإنتاج الإعلامي ككلّ.

 

1)                                      الكفاءات الإبداعيّة
كلمة إبداع تطرح إشكالا خصوصا عندما يدور الحديث حول المبدع في مجال الإعلام الذي يجمع أعمالا مختلفة تراوح بين الأداء و التنفيذ و الابتكار و قد يصعب مبدئيّا إسناد صفة الإبداع إلى كلّ الفئات المذكورة إذا علمنا أنّ فعل الإبداع يفيد الاختراع و الإنشاء، و ورد في لسان العرب أنّ البديع هوّ المحدث العجيب، و أبدع الشّيء اخترعه لا على مثال، و البديع من أسماء الله تعالى لإبداعه الأشياء و إحداثه إيّاها و هو البديع الأوّل قبل كلّ شيء، لأنّه بدأ الخلق على ما أراد على غير مثال تقدّمه، و الله تعالى كما قال سبحانه : بديع السّموات و الأرض أي خالقها و مبدعها، (ابن منظور، لسان العرب). فالإبداع حينئذ فعل مشروط بعدم النّقل و التكرار لأنّ المنقول المكرّر إنما يحمل معه صورة المثال الأوّل  المنسوبة إلى الفاعل الأوّل مصدر الإنشاء و البدء و لا يصحّ في هذه الحالة أن يستنفذ فعل النّقل و التكرار معنى الإبداع، إلاّ أنّ النّقل،في حال الترجمة مثلا، فعل،  رغم كونه قائما على التناسب و التشابه بين المعاني الأصليّة و المنقولة ، فإنّه لا يخلو من إعمال الذّهن و الخيال  في استنباط العبارات، و المفردات و التراكيب و الصّور المناسبة لأصولها، الموصلة إلى تحقيق  معادلة التماثل بين صور المعاني المتشكّلة ضمن سجلاّت لغويّة مختلفة، لذلك يجوز إسناد صفة الإبداع إلى المترجم إذا كان عمله غاية في الحفاظ على أصول المعاني أثناء نقلها من لغة إلى أخرى.     
و الصّفة في حدّ ذاتها، إذ يتمّ تداولها بشكل عشوائي في الحقل المهني للإعلام، بدأ مفهومها يتّسع لشمل كلّ الذين لهم حضور إعلامي مكثّف بصرف النّظر عمّا إذا كان هذا الحضور خاليا من الابتكار أو مرتبطا ببديع أي بشيء مبتكر و هكذا ظلّ المبدع من يبتدع أسلوبا في الحضور الميدياتيكي.
و المبدعون في دراسة الحال ترتبط وظائفهم بالإحداث و الإنشاء و ينقسمون إلى كتّاب السّيناريو و مؤلّفي النّصوص المسرحيّة و المسلسلات و المترجمين و الإعلاميين و المتخصّصين في الكتابة إلى الطفل، ونجد أنّ نسب حضورهم في قطاع الإنتاج التلفزيوني تختلف من بلد إلى آخر كما يتضح ذلك في الجدول التالي :

 

جدول رقم 1 : الكفاءات الإبداعيّة في قطاع الإنتاج التلفزيوني العربي

 

البلد

الكفاءات الإبداعيّة

 

 

 

 

مصر

اسم شركة الإنتاج

  كتّاب  سيناريو

مؤلّفو نصوص

و مسرحيّات

مترجمون

إعلاميّون

متخصّصون في الكتابة للطفل

ليزر

 

 

+

+

 

عرين فيلم

+

+

+

+

+

أنترسيكشن

+

+

 

-

-

سكرين للسّينما

+

+

+

+

+

الأهرام للسّينما

+

+

+

+

+

 

 

 

سوريا

سوريا الدّوليّة للإنتاج

-

-

+

+

-

الشّام الدّوليّة للإنتاج السينمائي

+

+

+

 

-

علاء الدّين للإنتاج الفنّي

-

 

 

 

 

القوادري

-

-

+

 

 

الفضل للإنتاج الفنّي

-

-

+

-

-

أمين الخيّاط

-

-

 

 

-

الفيصل

 

-

-

+

-

-

الكويت

مركز الإخوة

-

-

-

-

-

مؤسّسة الإنتاج البرامجي المشترك

-

-

 

 

+

تونس

سباد للإنتاج   SPAD

+

-

+

-

-

لبنان

Media Production

-

-

 

 

 

يارا للإنتاج

-

-

+

 

-

 

 

السّعوديّة

جديدة للإنتاج

-

-

 

 

 

الإعلامي للإنتاج

+

+

 

 

 

مؤسّسة المكتب

-

-

+

+

-

الكاميرا

-

-

-

-

-

الفادي

-

-

+

 

 

 

 

الأردن

الشّرق الأوسط للإنتاج

-

-

+

-

-

الحجّاوي للإنتاج

-

-

+

-

-

الأندلسي للإنتاج الفنّي

+

+

 

+

-

أنجاد فيلم

 

-

+

 

 

فوّاز الزّين

+

-

+

+

-

العنود للإنتاج الفنّي

+

+

+

+

+

 

 

+

 


 

-

نسبة تفي بالحاجة.

 

لا تفي بالحاجة

  بلا إجابة

 

توضّح القراءة العموديّة للجدول تواضع نسبة كتّاب السيناريو في قطاع الإنتاج التلفزيوني و نجد أنّ 58% من شركات الإنتاج لا تفي بحاجياتها في هذا المجال في الوقت الذي يحتاج فيه قطاع الإنتاج التلفزيوني حضور نسبة أعلى ممّا عليه الأمر اليوم لأنّ الحلقة المركزيّة في الإنتاج السّمعي المرئي إنّما هيّ كامنة في ما يدفع بالمعاني إلى التحوّل من سجلّها الطبيعي إلى سجلّ اصطناعي لا يعدو أن يكون السيناريو وهو الأصل في منح المعاني أبعادا حسّية جديدة ينسجم بمقتضاها المعنى مع منطق الوسيط التقني. و لقد أدركت مؤسّسات التكوين الإعلامي و الاتصالي في البدان الغربيّة أهميّة هذا التخصّص الذي تقوم عليه الصّناعات الثقافيّة لتعتني ضمن برامج التدريس و التدريب بتكوين متخصّصين في كتابة السّيناريو بينما لا يحظى الموضوع ذاته بالتفكير في أغلب معاهد الإعلام و الاتصال العربيّة الغارقة في تكوين الصّحافيين و الاتصاليين (11)  باستثناء مصر نظرا لوجود عراقة تاريخيّة في الصناعة السّينمائيّة أسهمت في وضع تقاليد الكتابة إلى الصّورة و بالصّورة، وتبيّن نتائج الدّراسة انفراد مؤسّسات الإنتاج المصريّة بالاكتفاء في ما يتعلّق بكتّاب السيناريو.

من جهة ثانية، نجد أنّ الوضع لا يختلف في تقدير نسب مؤلّفي النّصوص المسرحيّة و المسلسلات لاعتبارها ضعيفة هيّ الأخرى، وتكشف القراءة الأفقيّة للجدول حاجة الشركات العربيّة للإنتاج التلفزيوني إلى مثل هذا التخصّص في كلّ من سوريا و الكويت و لبنان و تونس و السعوديّة، و الأردن بدرجة أقلّ. و يعرب الحضور المتواضع لهذه الفئة عن وجود أزمة مضمون تعود أسبابها إلى عوامل مختلفة يمكن حصرها في الآتي :

أ) يكتسي الإبداع في الكثير من الأقطار العربيّة طابعا مؤسّسيّا حكوميّا تتضح ملامحه في ما يتمّ إنتاجه من مضامين مغالية للقيم السّامية للدّولة و للمعايير السّياسيّة السّائدة، في الوقت الذي ينبغي أن يكون فيه الإبداع فعلا متحرّرا، بعيدا عن الولاء  للسّلطة مهما كانت طبيعتها، و محرّكا ديناميّا للتغيّر الاجتماعي، و يلوح أنّ المبدع في الوطن العربي، كلّما رام العمل ضمن سياق خال من الرّقابة و من تأثير قوى الضّغط في المجتمع، ارتطـــم بخطوط حـــمراء تمنعــــه من "  التغلغل في دقائق الموجودات "على حدّ تعبير الجاحظ. و الأصل في الإنتاج الإعلامي إنمّا يعود إلى ضروب التغلغل في دقائق المجتمع و تصوير ما يعرف في  علم الاجتماع  بـ : الزّمن الاجتماعي لكي يظلّ الواقع الميدياتيكي ناقلا عاكسا و مفسّرا للواقع الاجتماعي دون سواه، لأنّ التباين بين الواقعين، إذا ما حدث، قد يؤدّي إلى تعاقد الأفراد الاجتماعيين مع أنماط الإنتاج المستورد، و لنا في ذلك مثل الإنتاج الأمريكي الذي يعتبره عامّة النّاس غازيا مكتسحا لفضاءات ثقافيّة كثيرة في العالم، و هذا انطباع خاطىء يخفي في واقع الأمر وهن الثقافات المحلّية وهشاشتها. إنّ إشعاع الإنتاج الأمريكي عالميّا لا يعود إلى كونه أمريكيّا بالمفهوم الاقتصادي للكلمة، بل لاعتباره مادة تعكس بدقّة خصائص المجتمع الأمريكي، ثمّ إنّه يقوم على حرّية التعبير وهذا عامل أساسي في الفكر الإبداعي و محدّد رئيسيّ لقانون العرض و الطّلب في أمر الصّناعات الإعلاميّة.

ب)  تعمل المؤسّسات الإعلاميّة العربيّة بمعزل عن مراكز البحوث و الدّراسات و التوثيق التي يعدّ دورها رياديّا في رصد المشكلات الاجتماعيّة و الكشف عنها و طرح الحلول المناسبة لحلّها، وهذا توجّه مقصود لكي يظلّ الإنتاج الإعلامي بعيدا عن الواقع السّوسيولوجي منسجما مع مزاج الدّولة السّياسي و مستجيبا لانتظارات الفاعلين في السّلطة الظّابطة، خصوصا عندما يتعلّق الأمر بالتلفزيون نظرا لفاعليّته في توجيه الأحداث و صناعة الرّأي التي تفوق فاعليّة الوسائط الأخرى، وطبيعيّ أن يكون المبدع في هذه الحالة من يتعاقد مع فكر السّلطة بدل التعاقد مع سلطة الفكر. و هكذا في غياب الصلات الموضوعيّة بين البحث العلمي وسياسات الإنتاج الإعلامي القائمة على حدّ أدنى من حرّيّة التعبير، تتراجع مقاييس الإبداع و يتنامى حجم الإنتاج الذي ينال من قيم المجتمع وثقافته المحليّة.

ج)  يستمرّ الاهتمام في البلدان النّامية بالإنتاج الإعلامي المستورد الذي يغمر الكثير من القنوات التلفزيونيّة العربيّة و يصيب بشكل ملحوظ  البناء الثقافي العربي. و قد تفسّر النّسب المرتفعة للمترجمين في مستوى شركات الإنتاج العربيّة تزايد العناية بالوارد أكثر من العناية بالصّادر، و نجد أنّ 93% من شركات الإنتاج المذكورة لا تفتقر إلى مترجمين ممّا يفسّر القيمة البارزة للدّور الذي يؤدّيه المترجم و المرتبة التي يحتلّها في الفكر المؤسّسي للإنتاج الإعلامي العربي و هي مرتبة تفوق في أهميّتها مرتبة المؤلّف و كاتب السّيناريو، و لهذا الواقع أسباب قد لا تتجاوز حدود المنطق التجاري و ندرجها كالآتي :

·       ارتفاع تكلفة الإنتاج الذّاتي

يدفع هذا العامل القائمين بالإنتاج إلى تبنّي اختيارات تضمن الحدّ الأدنى للتوازن المادّي لشركة الإنتاج بما يحقّق استمرار النشاط الاقتصادي للمؤسّسة لأنّ صناعة المضامين هيّ في المقام الأوّل عمليّة اقتصاديّة تستهدف الكسب في حقيقته المزدوجة: كسب العقول لكسب الأرباح، و تظلّ حينئذ ترجمة الأعمال المستوردة و دبلجتها أنسب، ماديّا، من القيام بالإنتاج في حدّ ذاته، القائم على سلسلة مركّبة من التجهيزات و الوظائف المتخصّصة المستنزفة للوقت و للجهد و للمال، في حين نجد الترجمة ، رغم كون العمل لا يخلو من بذل الجهد و اعتماد التقنيات الضّروريّة للإنجاز، لا تبلغ تكلفتها، في كلّ الحالات،  حدود المبالغ المعتبرة المرصودة للإنتاج. فالقضيّة برمّتها مرتبطة بفكر تجاري يمثّل فيه ترويج المنتوج حلقة أساسيّة، وتبقى المعادلة المناسبة لمنطق الســّوق مقتصرة، حسب شهــادات البعض من المنتجين (12)، على الدّبلجة. و من الشعارات السّائدة اليوم في مجال صناعات المضمون  نجد الشّعار التالي : " لا تنتج ما دمت قادرا على الشّراء "، و القصد الواضح في العبارات يميّز الجانب الاقتصادي في  الصّناعات الثّقافيّة. و يطرح هذا الواقع مشكل العلاقة القائمة بين المنتج و المبدع، و هي  علاقة ينظّمها المنطق التجاري بدرجة أولى و تسير على نحو يتقرّر فيه المضمون الإعلامي وفق ما يستجيب إلى انتظارات صاحب المؤسّسة بدل الاستجابة إلى حاجيات المجتمع الحقيقيّة.

·       غياب سوق عربيّة حقيقيّة في مستوى الصّناعات الإعلاميّة

         إنّ حاجة الأقطار العربيّة لفئات معيّنة من الإنتاج الإعلامي التلفزيوني غير واضحة في واقع الأمر لأنّ الإنتاج بشكل عامّ مرتبط ، في جزء كبير منه، بالأهداف السّامية للدّولة، و قد تختلف هذه الأهداف من قطر إلى آخر ممّا يحدث في أغلب الأحيان اضطرابا واضحا في سوق عرض البرامج و يجعل سياسة الإنتاج غير منتظمة أو غائبة أصلا، ثمّ إنّ سوق البرامج العربيّة، شأنها في ذلك شأن سوق السّلع الأخرى، قد غمرتها تيّارات ثقافيّة منحدرة من مخابر الصّورة الأورو-أمريكيّة صرفت اهتمام المستهلكين في البلدان العربيّة عن الواقع القريب و حبسته في حدود واقع الإثارة التي يتمّ إنتاجها بسرعة فائقة و بـ :" كميّات "  لا حدود لها وفق المنظور اللّيبيرالي، وهذا ما يجعل مسالك الترويج للإنتاج المحلّي على غاية من التعقيد يتحوّل بمقتضاه القيام بالإنتاج إلى مغامرة نتائجها غير واضحة.

و هكذا تتجذّر أزمة المضمون و يتعطّل فعل الابتكار في الحضور المضاعف للآثار المترجمة و المدبلجة و لا يعني ذلك أنّ الأعمال المدبلجة لا قيمة لها و أنّ الآثار المترجمة لا تخدم الثقافات المحلّية، فالترجمة في حدّ ذاتها فعل ثقافي يتخلّله الإبداع و يحيل إلى معرفة قيم ومثل أنتجتها ثقافات أخرى، لكنّ الانغماس المستمرّ في التعامل مع المستورد يشلّ تدريجيّا ديناميّة الثقافة المحلّية. و يتماثل هذا الواقع مع حال البحث العلمي في مجال الإعلام و الاتصال بالكثير من الجامعات العربيّة القائم في جزء هام منه على النّقل، و في أفضل الحالات على الاجترار، و لم يجد طريقه إلى تأسيس نظري يحقّق الانسجام في ما يتمّ تدريسه و تطبيقه مع خصائص التعبير الميدياتيكي في البلدان العربيّة، فالقواعد الصّحفيّة ضمن برامج التدريس العربيّة لم تتحرّر بعد من هيكل الهرم المقلوب، (13) و التكوين الصّحفي، في معاهد الإعلام و كلّياته يكاد لا  يتجاوز قصّة    " الكلب و الرّجل " (14) و هي القياس المعتمد غالبا في مجال الصّحافة لتعريف الخبر بوصفه مادة مثيرة غير مألوفة يقبل عليها الجمهور. 

تتّضح، في ضوء ما تقدّم، القطيعة بين الواقعين : الاجتماعي و الميدياتيكي بسبب غياب المؤلّفين من ناحية، و ارتفاع نسب المترجمين من ناحية أخرى و الحالة الثّانية هيّ التي تفسّر الأولى، و تبدو القطيعة أكثر وضوحا لمّا ندرس ميول الأفراد المتّجه بازدياد نحو استهلاك المضامين المستوردة، ولكنّ الأخطر من ذالك بكثير هو أن تجري عمليّة التنشئة الاجتماعيّة على منوال مستورد هو الآخر، لا علاقة له، في الكثير من الحالات، بخصائص المحيط المحلّي و يجوز في هذا الصّدد اعتبار غياب المتخصّصين في الكتابة إلى الطفل أبرز المواقع المعتلّة ضمن حلقة الإنتاج الإعلامي العربي.

الكتابة إلى الطّفل

أفرزت نتائج الاستبيان، كما أشرنا سابقا، ضعف نسبة المؤلّفين في مجال الكتابة إلى الطّفل، و نجد أنّ خمس شركات إنتاج من مجموع تسع و عشرين تفي بحاجياتها في هذا التخصّص أي ما يعادل 17%. و تعتبر هذه النّسبة " مفزعة " جدّا لأنّ الأمر متّصل بالتنشئة و ينبغي حينئذ أن تكون الرّموز الثقافيّة المحلّية مادة التنشئة و عمادها الحقيقيي لكي تظلّ العمليّة منسجمة مع ما للوسط الاجتماعي للفرد من خصائص تميّزه عن بقيّة الأوساط الثّقافيّة الأخرى.

يستمرّ الإعلام السّمعي المرئي في البلدان العربيّة في الاعتماد على المستورد من المضامين الموجّهة للطّفل و المؤلّفة غالبا من القصص المصوّرة ذات الطّابع المثير الذي يراوح بين الخيال في شكله الرّوائي، والعنف، ويحتلّ العنف في المضامين الموجّهة للطفل مراتب بارزة تجعل من الإنتاج في حدّ ذاته مادة مرنة التسويق و التوزيع. و فضلا عن كون الإنتاج المستورد يتّسم بشيء من العنف و الإثارة، فإنّ جوهره لا يتناول في الاعتبار خصائص الطفل العربي لأنّ صناعته تمّت في غير السّياق الذي يحتضن تنشئة الطفل في البلدان العربيّة.

تقوم النّسب المتقدّمة دليلا على مكانة الطّفل في البلدان العربيّة المعربة عن غياب تخطيط واضح، بعيد المدى يعنى بالتنشئة الميدياتيكيّة، و يلاحظ عموما أنّ البلدان العربيّة لا تنتهج سياسات إنتاج على مدى طويل (15) تتضمن مناهج التنشئة الاجتماعيّة و أساليبها على امتداد عقد أو عقدين من الزّمن، و حتى إن وجدت هذه السّياسة، فإنّها لا تقوم على دراسات وصفيّة أمبريقيّة تكشف عن واقع الطفل في مختلف الأوساط الرّيفيّة و الحضريّة و تستشرف مستقبله.

 

مدرّج تكراري رقم  1 : الكفاءات الإبداعيّة العربيّة في مستوى شركات الإنتاج الإعلامي التلفزيوني العربي

                                             (1999-2000)

 

 


 

                 100

 

                 90

 


 

                 80

 

                 70

 

                 60

 

                 50

 


 

                 40

 

                30                          

 


 

                20

 

                10             

 

               

                

                                       كتّاب سيناريو              مؤلّفو نصوص              مترجمون                 متخصّصون

                                                                       مسرحيّة و مسلسلات                                في الكتابة إلى الطّفل

              

 

 

يبرز المدرّج التكراري الحضور المميّز للأعمال المترجمة ضمن حلقة الإنتاج الإعلامي العربي، و يستبان من هذا الواقع غياب الخصائص المحلّية العربيّة عن واقع الإنتاج المؤلّف من  المواد غير المبتكرة، المترجمة و المدبلجة، ممّا يستوجب إعادة النّظر في أسلوب التنشئة الاجتماعيّة و مضامينها بالقدر الذي يناسب البيئة الثقافيّة و يطوّرها، فالموضوع لا يحتاج في واقع الأمر إلى نسب عالية من المتخصّصين في شؤون الكتابة إلى الطّفل أو إلى مؤلّفي نصوص بقدر ما هوّ في حاجة إلى مناخ ملائم يسمح بإعداد دراسات استراتيجيّة تفسّر حركة التغيّر في المجتمع و يدعم حرّية المبدع و يدفع بها إلى الاهتمام بشؤون الأفراد و أحوالهم.

تندرج ضمن هذا السّياق أهميّة مراكز البحوث و الدّراسات التي تمثّل في البلدان المصنّعة بوصلة المجتمع الحقيقيّة، وهي إذ تبدو قائمة الذات هيكليّا بالبلدان العربيّة فإنّ وظائفها تبدو في الكثير من هذه الأقطار منفصلة تماما عن دوائر الإنتاج الإعلامي و النتيجة الطبيعيّة لذلك هوّ أنّ القطاعين يعملان في فراغ، و الحال أنّ دور الباحث ينبغي أن يكون متقاطعا مع دور المنتج، المادّي و الرّمزي.

على صعيد آخر تفرز القراءة الأفقيّة للجدول الأوّل معطيات مختفية، متضاربة أحيانا، ففي حين تغيب نسبة المتخصّصين في الكتابة إلى الطّفل في أغلب البلدان العربيّة، نجدها مرتفعة في مستوى شركات الإنتاج المصريّة إذا ما استثنينا شركة " انترسيكشن " التي تفتقر إلى مؤلّفين في مجال الكتابة إلى الطّفل. و السّبب، في ما نرى، يعود إلى كون مصر بلدا يمتلك رصيدا أدبيّا و مسرحيّا ثريّا له تأثير عميق مباشر على حركة الإبداع و الصناعة الإعلاميّة بشكل عام، ثمّ إنّ مصر قد اعتنت في السنوات الأخيرة بتوسيع دائرة القنوات التلفزيونيّة المتخصّصة التي أسهمت في تنشيط آلية إنتاج البرامج التربويّة والترفيهيّة و البرامج الموجّهة للطفل و للأسرة ممّا أدّى  إلى ارتفاع نسبة بث البرامج المحليّة سواء تعلّق الأمر بالقطاع الخاص أو بالقطاع الحكومي.

 

 

2) الكفاءات الإداريّة

تتألّف هذه الفئة من إداريين و متصرّفين (متخصّصين في إدارة الشّؤون الماليّة) و مستشارين قانونيّين و قائمين بالتسويق، و مديري إنتاج. لم تبرز نتائج البحث نقصا في مستوى الكفاءات الإداريّة و التصرّف فأغلب مؤسّسات الإنتاج تفي بحاجيّاتها بخصوص تأمين الوظائف الإداريّة التي تتطلّبها خصائص الأعمال السّمعيّة المرئيّة، لكن الحاجة إلى متخصّصين في التسويق تبدو بارزة و تطرح إشكالا كبيرا أمام سيولة صناعة المضامين العربيّة و رواجها :

35% من مؤسّسات الإنتاج العربيّة  (مجتمع البحث) لا تفي بحاجيّاتها في مجال التسويق، و تحتاج إلى متخصصّين في المادة ذاتها، و 15%  تفتقر إلى مستشارين قانونيين.

بخصوص النّسبة الأولى، يجدر الإشارة إلى أنّ التسويق يعدّ نشاطا أساسيّا ضمن مهن الاتصال الحديثة رغم عراقة أساليبه التي تطورت عبر العصور، إلاّ أنّ المؤسّسات العربيّة للإنتاج التلفزيوني لم تواكب، بالقدر المطلوب، تبدّل جغرافيا مهن الاتصال، و دليلنا في ذلك هوّ افتقار ذات المؤسّسات إلى فنّيين في معالجة الصّورة الرّقميّة و في التحكّم في الأنظمة الافتراضيّة و السّبب في تقديرنا إنّما يعود إلى تجذّر حقيقة اللاّتواصل بين حقل البحث العلمي وقطاع الإنتاج السّمعي المرئي.

إنّ التسويق محرّك دينامي للصّناعات الإعلاميّة و عامل فاعل في دعم حضور الإنتاج الثقافي محلّيا و دوليّا، لذلك ينبغي الاعتناء بتنشيط آلياته لتوفير فرص  التوزيع و الإشعاع لصناعة المضامين، و قد أتاحت اليوم الطّرق السّيارة للاتصال ظهور مسالك جديدة في التسويق عبر مواقع الواب، و منحت الصّناعات الإعلاميّة بعدا عالميّا يخدم بدرجة أولى المسألة الثقافيّة. فلا يكفي اليوم إنتاج نسب عالية من البرامج التلفزيونيّة الجيّدة من دون التفكير في موضوع الترويج الذي يحوّل الإنتاج إلى قوّة فاعلة في المجتمع، فالمحيط الرّقمي اليوم يجمع في الوقت ذاته الإعلام و الثقافة و الترفيه و التربية و التجارة بكلّ أدواتها العصريّة و وسائلها الفائــقة، معنى ذلك أنّ التسويق خصوصا بعد ظهور دمج الوسائط الإلكترونيّة (Convergence) هوّ الآليّة التي باستطاعتها مقاومة ما يعرف عند البعض من المفكرين (النخبويين) (16) بالاكتساح الثقافي. و المقصود بالمقاومة في هذا السّياق هو توفير فرص المشاركة في عمليّة صناعة المعرفة التي لم تعد حكرا على فئة دون أخرى.

أمّا في ما يتعلّق بالنّسبة الثانية المتمثّلة في افتقار العديد من مؤسّسات الإنتاج إلى مستشارين قانونيين فإنّ الأمر يبدو طبيعيّا جدّا لأنّ حضور هؤلاء في مجال الإنتاج مشروط بوجود صناعة إعلاميّة حقيقيّة تطرح في حدودها حقوق المؤلّف و حق البث، وما يترتب عن ذلك من مسائل قانونيّة فرعيّة تفرزها طبيعة السّوق في حدّ ذاتها. الإنتاج الإعلامي العربي لم يبلغ بعد  مستوى ما يسمّى بصناعات المضمون و لم يحقّق، بالصّيغة التي هو عليها اليوم، معادلة السّوق بالمفهوم الحديث للكلمة، إنّما يجري على نحو تقليدي تبدو من خلاله صناعة الصّور و الرّموز و إنتاج المعلومات و إدارتها أمرا مرتبطا بمدى حضور الإنتاج الإعلامي المستورد.

3) وسائل الإنتاج التقنيّة و فضاءاته    

يجدر قبل معالجة نتائج الدّراسة الميدانيّة المتصلة بالوسائل التقنيّة للإنتاج التلفزيوني و فضاءات الإنتاج النظر في مستوى الوسائط السائدة اليوم في مجال صناعات المضمون  و ذلك لتبيّن المرتبة التي تحتلّها أنظمة الإنتاج  و البث العربيّة ضمن السّياق الحالي.

يتسم السّياق المشار إليه بتحوّل بارز  من اعتماد الأجهزة التماثليّة في البث و الإنتاج إلى استخدام تكنولوجيا الرّقميّة المندمجة التي تطرح رهانات اقتصادية و ثقافيّة بدرجة أولى. و لقد سعى الفاعلون في المعلوماتيّة و الاتصالات، في أمريكا و اليابان و في العديد من البلدان الأوروبيّة إلى تطوير أنظمة البث و المعالجة و التخزين إلى حدّ فرض نظام تفاعلي جديد يسمح للمقبلين على مواقع الواب و للمتابعين لفئات برامج الباقات الرّقميّة الحصول على ما يريدون، متى يريدون، و ساعد هذا النّظام على تنامي حجم البرامج السّمعيّة المرئيّة  الجامعة و المتخصّصة التي تستهدف جماهير عريضة تنتسب إلى ثقافات مختلفة، في وقت تزايدت خلاله طلبات المستهلكين للصّناعات الإعلاميّة  و ارتفعت فيه نسب الاستثمار لما للإشهار و التسويق المباشر من أهميّة كلّما نما حجم الإنتاج.

و في حين يشهد الإنتاج السّمعي المرئي الأمريكي نجاحا واسعا و سيولة مرنة لا مثيل لها بفعل تنشيط آليات التسويق المعاصر، يعاني، في المقابل، تدفق الصناعات الإعلاميّة الأوروبيّة من اضطراب متقطّع نتيجة تعطّل مسالك التوزيع، وظلّ مشكل ترويج صناعة الصّورة مطروحا إلى حين تمّ استخدام شبكة الأنترنت أسلوبا ملائما  أتاح سيولة الإنتاج الإعلامي الثّقيل، و ارتفعت، في بلد كفرنسا، نسبة تصدير البرامج التلفزيونيّة، في 1996، بـ : 20%  أي ما يعادل : 1،3 مليار فرنك مقارنة بسنة 1995 .(17)

و هكذا يكون التحكّم في تكنولوجيا الرّقميّة وراء تحقيق الرّهانات الاقتصاديّة و الثّقافيّة بالخصوص، و التحكّم في سياق الحال لا يعني امتلاك الوسيلة بقدر ما يفيد ابتكار الأسلوب المنسجم مع خصائص المجتمع في علاقته بالوظائف الوسائطيّة المتاحة، لأنّ الامتلاك المجرّد  للوسيط التقني لا يقوم دليلا على حجم الإنتاج و جودته ورواجه، و المشكل الحقيقي لا يدور حول  طرائق الامتلاك بل حول كيفيّة استخدام و توظيف ما يتمّ امتلاكه.

يقوم إنتاج المؤسّسات التلفزيونيّة العربيّة، في جزء كبير منه، على اعتماد الأجهزة التماثليّة، و قد أظهرت نتائج الاستبيان توافر المعدّات و الوسائط الرّقميّة في مستوى كلّ المؤسّسات المذكورة و لكن بشكل محدود و تبدو ، حسب الدّراسة، متواضعة العدد لا تتجاوز الكاميرا و بعض خلايا التركيب و المزج  الرّقميّة، و في بعض المؤسّسات، خلايا تحويل من النّظام التماثلي إلى النّظام الرّقمي، و من النّظام الرّقمي إلى النّظام التماثلي. و أحيانا لا وجود لأجهزة رقمية مستخدمة في الإنتاج كما هو الحال في مؤسّسة التلفزيون الحكومية المغربية.

يؤثّر هذا الواقع في الإنتاج و أساليبه، فإذا كان الأصل في الإنتاج  هوّ الابتكار و الإبداع، فإنّ الفعل في ذاته، فعل الإبداع و الابتكار، تدفع به الوسيلة إلى الحدوث إذا ما تمّ التحكّم في استخدامها، انظر مثلا كيف أطلقت الأنظمة الرّقميّة الحديثة عنان الخيال البشري و جعلت من الممكن تجسيد تمثلات الإنسان  اللاّمحدودة إلى واقع مكتمل الأبعاد. و قد يعود تدنّي نسب إنتاج  البرامج العلميّة في البلدان العربيّة إلى هذا العامل بالإضافة إلى  ما ذ كر سابقا بشأن افتقار مؤسّسات الإنتاج العربيّة إلى متخصّصين في الأنفوغرافيا و معالجة الصّورة الرّقميّة.

و لكنّ اعتماد الأجهزة الرّقميّة لا يقتصر أساسا على إنتاج الموضوعات العلميّة و تبسيط المعرفة، إنّه يخدم في المقام الأوّل قطاع الأعمال و مجال الدعاية و الإعلان، فالومضات الإشهاريّة (الإعلانات القصيرة) النّاجحة اليوم نجدها تنحدر من تصوّر لا يتسنّى تجسيمه إلاّ باستخدام النّظام الافتراضي (virtual system)، كما يخدم مجال الإخبار و صناعة الرّأي، و يدعم بشكل مباشر  تنمية أساليب الكتابة إلى الطفل، وهي، مثلما أشرنا، الحلقة المفقودة  في منظومة الإنتاج التلفزيوني العربي.

و ما يثير الانتباه في نتائج الاستبيان لا يتصل بتواضع نسبة الأجهزة الرّقميّة التي تمتلكها مؤسّسات الإنتاج التلفزيوني العربيّة إنّما يتعلّق بافتقار ذات المؤسّسات إلى ما يفي بالحاجة من أجهزة تماثليّة، لإنتاج  فئات من برامج التنشئة و الدراما، فالأجهزة التماثليّة المتوفّرة لدى المؤسّسة الحكوميّة التلفزيونيّة في تونس (ERTT) لا تفي بالحاجة لإنتاج الدراما و المنوّعات و كذلك الحال بالنّسبة إلى التلفزيون الحكومي المغربي  و خلافا لذلك نجد أنّ التلفزيون السّوري يمتلك ما يسمح بإنتاج الدراما و البرامج الوثائقيّة و لكنّه يفتقر إلى ما يفي بالحاجة من معدّات لإنتاج البرامج الترفيهيّة و المنوّعات.

يستبان مبدئيّا ممّا سبق أنّ الضّعف المسجّل في إنتاج الدراما العربيّة لا يعود سببه إلى تدنّي نسب الكفاءات الإبداعيّة فقط، و إنّما يتصل كذلك بمسائل تقنيّة تتلخّص في محدوديّة الإمكانات المتاحة.

إنّ التسليم بهذه الحقيقة قد يحجب حقيقة ثانية لأنّه في تقديرنا، و في ضوء ما تقدّم، لا يصحّ تفسير الحجم المتواضع للإنتاج الدرامي في البلدان العربيّة بمحدوديّة الإمكانات التقنيّة و نوعيتها، فالمسألة الرّئيسيّة إنّما تعود إلى اختيارات المؤسّسة المتجهة نحو الاستيراد و الدّبلجة إذ يمثّل الإنتاج الدرامي المستورد نسبة 70% من الإنتاج  المحلّي، كما تتصل المسألة ذاتها بمدى الحضور الإبداعي للمثقّف العربي الذي يهجر عن قصد فضاءات الإنتاج التلفزيوني لعوامل سبق شرحها.

و لو نظرنا إلى المشكل من زاوية ثانية، وافترضنا امتلاك مؤسّسات الإنتاج التلفزيوني العربيّة لكلّ أصناف الوسائط التقنيّة، فإنّه من الجائز استبعاد حدوث نهضة حقيقيّة في مستوى صناعات المضمون، لأنّ واقع الإنتاج الرّاهن يرزح تحت رواسب ، يتمثّل أبرزها في التغافل عن تصوير واقع المجتمع، و الإقصاء الضّمني لدور المثقّف العربي الذي حلّ محلّه  ما نسميّه بــ : " المبدع المؤسّسي الحكومي " أو " المبدع التجاري " في حال الحديث عن مؤسّسات الإنتاج الخاصّة.

على صعيد آخر، نجد أنّ كلّ المؤسّسات التلفزيونيّة العربيّة تمتلك ما يكفي من تجهيزات لإنتاج الأخبار و " الترفيه " لا لكون هذا الفئة من البرامج تعدّ من الصّنف الخفيف و إنتاجها لا يتطلّب بالتالي معدّات تقنيّة ضخمة، إنّما يعود ذلك إلى اعتبار مجال الإخبار، بالخصوص، مجالا استراتيجيّا في التلفزيون و موقعا محوريّا لامتداد السّلطة السّياسيّة. و إنّ ما جرى في فرنسا إبّان أحداث ماي 1968 من " استلاء " رسمي على أقسام الإخبار بمؤسّسات البث السّمعيّة المرئيّة يقوم دليلا على اعتبار إنتاج الأخبار و إدارتها أمرا على غاية من الأهميّة بالنسبة إلى الحكومـات لأنّه يعدّ عماد الظبط الاجتماعي (social control)، فمن الطبيعي إذن  أن تحرص الحكومات العربيّة و البلدان السّائرة في طريق النموّ على توفير كلّ ما يلزم  لإنتاج البرامج الإخباريّة لأنّ مخطّطات التنميّة تستمدّ وضوحها لدى الفئات الاجتماعيّة خصوصا من إنتاج  الفقرات الإخباريّة القارّة و الموسميّة التي لها انعكاس يخدم  بشكل صريح السّلم الاجتماعيّة. 

أماّ في ما يتعلّق بفضاءات الإنتاج، فإنّ ما يلفت النّظر هو عدم توفرّ الأستوديوهات الكافية لإنتاج البرامج التلفزيونيّة : 60% من شركات الإنتاج العربيّة تفتقر إلى ما يفي بالحاجة من استوديوهات  للإنتاج، في المملكة العربيّة السّعوديّة شركتان من مجموع ثلاث شركات للإنتاج التلفزيوني ليس لها ما يفي بالحاجة من فضاءات للإنتاج :( ألوان للإنتاج الفني و التوزيع، و جديدة للإنتاج الفنّي و التوزيع)،  في تونس، مجموع شركات الإنتاج (وحدات العيّنة) ليس لها ما يفي بالحاجة من استوديوهات للإنتاج ( شركة حسّان للإنتاج الفنّي، SPAD للإنتاج و التوزيع السّمعي البصري، الكون الجديد للإنتاج)، في مصر شركة واحدة من أربع شركات فضاءاتها لا تستجيب إلى متطلّبات الإنتاج : (شركة ليزر)، في الكويت شركة واحدة من شركتين (مركز الإخوان للإنتاج الفنّي) لا تفي فضاءاتها بحاجيات الإنتاج.  و يفسّر البعض من المخرجين ذلك بوفرة الطّلب و لكنّه، عند فحصنا لدوافع الإنتاج الحقيقيّة، تبيّن أنّ 69% من الشّركات تنتج أحيانا حسب الطّلب و 20% غالبا ماتنتج حسب الطّلب ممّا يفسّر أنّ الإنتاج، في جزء كبير منه، يجري وفق منطق لا يحكمه قانون الطّلب لأنّ هذا المستوى متواضع جدّا، و تبقى حينئذ القدرات الماليّة لشركات الإنتاج هيّ المكيّف الرّئيسي لمدى توفّر فضاءات الإنتاج التلفزيوني، فرأسمال أغلب شركات الإنتاج العربيّة لا يسمح بتوفير ما يفي بالحاجة من استوديوهات للإنتاج، ثمّ إن مقرّ هذه الشركات لا يتجاوز في الغالب حدود العواصم الكبرى للبلدان العربيّة حيث ترتفع تكلفة العقار.

من جهة أخرى أبرزت نتائج الدّراسة أنّ أغلب شركات الإنتاج في كلّ من لبنان  و الأردن  لا تشكو نقصا واضحا في فضاءات الإنتاج. و لكن، و بالرّغم من الإمكانات المتاحة للكثير من شركات الإنتاج و مؤسّسات التلفزيون العربيّة، يبقى الإنتاج التلفزيوني في هذه الأقطار رهن رواسب ثقافيّة و أخرى اقتصاديّة سياسيّة مرتبطة بسياق دولي مركّب تجعله بعيدا عن الاستجابة إلى انتظارات المجتمعات العربيّة. و أمام هذا المشهد الإعلامي  المتّسم بشيء من الاختلال و الاعتلال، ينبغي في تقديرنا النّظر إلى الموضوع بفكر يأخذ في الاعتبار، أوّلا، خصائص المجتمعات العربيّة، و يرصد، في الوقت ذاته، مجال احتياجاتها في ما يتعلّق بالمضامين لأنّ عجلة الإنتاج، في ما نلاحظ، تدور بعيدا عن هذين المعطيين.

إنّ ما ينبغي لفت النّظر إليه، ضمن هذه الدّراسة، و يشكّل قاعدة المشكل الحقيقيّة يدور حول محاور ثلاث :

·       يتمثّل الأوّل في أزمة المضمون بوصفها عنصرا بارزا في الإنتاج الإعلامي العربي، أزمة تؤكّدها النّسب المرتفعة للبرامج المستوردة و المدبلجة، و يوضّحها تدنّي نسب إنتاج الدراما و البرامج التنمويّة و برامج التنشئة.

·       أمّا المحور الثّاني فيتعلّق بالغياب المضاعف للكفاءات العربيّة في مجال الإنتاج التلفزيوني، غياب يجد تفسيره في حلول ما أسميناه بالمبدع المؤسّسي الحكومي الذي يؤدّي دورا مركزيّا في صناعة الرّأي، و يلوح لنا، من خلال معايشتنا للمشهد الإعلامي العربي، أنّ الصّحافة المكتوبة تحتضن في مجالها نسبة معتبرة من المبدعين الحقيقيين، و قد يرجع ذلك إلى هامش الحرّية النّسبي الذي تتمتّع به.

·       يتصل المحور الأخير بالمسافة الفاصلة بين واقع الأفراد الاجتماعيّين في الأقطار العربيّة و الإنتاج التلفزيوني، فالقطيعة الكامنة بين التلفزيون و المجتمع قد تجعل من التلفزيون وسيطا يعمل في فراغ .

 

يبقى ما طرح للفحص و الدراسة من قضايا متصلة بالوسائط خصوصا منها الماديّة و التي لاحت في الكثير من مواقع الإنتاج الإعلامي العربي، الحكومي و الخاص، محدودة العدد لا تستجيب لمتطلّبات الإنتاج " الثقيل" مثل إنتاج الدراما و برامج التنشئة، فإنّها ، في تقديرنا، مجرّد عناصر لمشكل كبير مركّب أشرنا إلى جوهره ضمن المحاور السّابقة. و عناصر المشكلة لا تكوّن أبدا مشكلة مثلما يقول ريجيس دوبري، فأزمة المضمون المطروحة في مستوى المشهد الإعلامي العربي كقضيّة مركزيّة إنّما ينبغي النظر، لفهم أبعادها، في سياقها الرّمزي و الجغراسياسي، بدلا من ربطها مباشرة بمرتكزات الإنتاج و البث لأنّ العمل الإبداعي، بقدر ما تحكمه جدليّة الوسائط التقنية، فإنّه في كلّ طور من أطواره عمل فكري يستقيم بناؤه في حضور عوامل ثلاث أساسيّة :

-      بيئة التفكير، و يجب أن يتوفّر في حدودها الهامش الأدنى لحرّية التعبير و الاعتراف بالرّأي الآخر بوصفه طرفا في الإنتاج يسهم في  إثراء البناء الثقافي للمجتمع .

-      أدوات التفكير، و عمادها المعرفة الخالصة.

-      موضوعات التفكير، وهي الإلمام بخصائص المجتمع و إدراك قضاياه الحقيقيّة.

إنّ غياب المضمون يبطل الحديث عن المرتكز، و المرتكز، أي الوسيط أو الأداة، لا معنى له من دون مستخدمه، فكيف يجوز في حال تراجع الإنتاج الفكري و الإعلامي تبرير ذلك  بعدم توافر الأجهزة و المعدّات التقنيّة، و على حدّ علمنا لم يكن الإنتاج الإعلامي العربي في يوم ما نشطا مزدهرا حتي يمكننا الحديث عن انحدار وتيرته لسبب أو لآخر. ثمّ كيف نفسّر النسب المتواضعة جدّا و الغائبة أحيانا المتصلة  بإنتاج برامج التنشئة و البرامج الموجّهة للطفل و البرامج الوثائقيّة العلميّة ؟ هل بإمكاننا الاستنتاج أنّه لا وجود لمعدّات فنيّة كافية لدى شركات الإنتاج و المؤسّسات الحكوميّة التلفزيونية العربيّة تؤمّن نصيبا من إنتاج فئات البرامج المذكورة ؟

تلوح من خلال الأسئلة المطروحة قضيّة ثانية لا تقلّ أهميّة عن الأولى  و لا تنفصل عنها بل هي في ارتباط وثيق بها، و تتمثّل في السّياسات الإعلاميّة المتوخاة في الأقطار العربيّة. إنّ لهذه السّياسات أجندا واضحة دقيقة تعتني في المقام الأوّل بتنشيط البرامج الإخباريّة و الرّياضيّة و الترفيه، و الدراما و هذا ما تعكسه المعطيات الرّقميّة في الاستمارة المتعلّقة بالإنتاج الإعلامي العربي (18)، و يكاد يذهب بنا القول إلى أنّ الأجندا ذاتها لا تتعامل مع إنتاج البرامج العلميّة و التربويّة والبرامج التوثيقيّة الثقافيّة  بالأهميةّ نفسها التي توليها إلى البرامج الإخباريّة و ما سواها أو أنّها تدرجها في المقام الثّاني لاعتبارات أخرى، وقد رأينا في ما سبق أنّ كلّ مؤسّسات الإنتاج التلفزيوني تفي تقريبا بحاجياتها من معدّات في إنتاج الأخبار و الدراما و الترفيه.

قد يخدم هذا التوجّه، إلى حدّ ما، حقيقة السّيادة الوطنيّة للبلدان العربيّة المطروحة كمسألة مستقلّة بذاتها، و لكنّه لا يخدم حركة التغيّر الاجتماعي بوصفها نظاما ديناميّا  يتحدّد من داخله نموذج السّيادة. إنّ الوضع الرّاهن يستوجب الإسهام الجاد في الإنتاج الفكري الثقافي حتى يتم تجاوز الأطروحات التقليديّة الموغلة في التعصّب و منطق الغزو الثقافي و الغارقة في خطاب الأزمات، بل إنّ السّياسات ذاتها مجبرة على الانفتاح على القطاع الخاص في المجال السّمعي المرئي على غرار ما عاشته أوروبا منذ عشرين سنة خلت عندما واجهت موجات " العنف  التجاري " لكبار الفاعلين في مجال الاتصالات الأمريكيّة و كان أن تخلّت الحكومات الأوروبيّة عن هيمنتها على القطاع السّمعي المرئي لتفسح المجال لظهور قنوات خاصة، في المقابل تمّ تأسيس سلط مستقلّة تسهر على  تنظيم عمل القطاع و النهــوض  بالإنتــاج و مراقبة جودته مثل المجلس الأعلى للقطــاع السّمعي المرئي في فرنسا (CSA)، فالانخراط في نظــام سوق المنافســة رافد هام من روافـد التقدم و الرّقي، و إنّ لفي " فضاء السّوق المفتوح، فضاء ثقافي مفتوح (...) من الأفكار و الصّور و أشكال الابتكار التي قد تتقاطع مع أعمال الإبداع "(19).

و سواء تعلّق الأمر بالقطاع الحكومي أو بالقطاع الخاص في المجال السّمعي المرئي فإنّه من الضّروري التعامل مع مراكز البحوث و الدراسات عند القيام بالإنتاج لأنّ هذه المراكز ترصد الظواهر المختلفة في المجتمع و تبحث في أسبابها و اتجاه نموّها و تستشرف مستقبل التغيّر الاجتماعي على كلّ المستويات، و من البديهي أن يسير الإنتاج الإعلامي مستنيرا  بما تفرزه البحوث العلميّة من نتائج تخدم  تطوّر المجتمع وتصنع المستقبل. و أمر مراكز البحث و الدّراسات لا يهمّ الصناعات الإعلاميّة فقط، إنّما هوّ عماد القرار السّياسي بدرجة أولى و نلاحظ في المشهد السّياسي الأمريكي جدليّة التعامل بين مؤسّسات البحث و المؤسّسة السياسيّة، عدد كبير من رجالات السّلطة يتحوّلون  للعمل في مراكز الدّراسات عقب انتهاء مهامهم السّياسيّة، في المقابل نجد نسبة بارزة من الباحثين يذهبون إلى السّلطة للإسهام في صناعة القرار المبني.

من هذا المنظور يمكننا القول إنّ الصّناعات الإعلاميّة في البلدان العربيّة لا تعطّل نشاطها ندرة الوسائط  و عدم توفّر الفضاءات الكافية للإنتاج و من الخطإ في تقديرنا، اعتبار الإمكانات الماديّة العلّة عليا لتواضع حجم الإنتاج الإعلامي العربي، إنّ السّبب كامن في غياب تقاليد الإنتاج التي تستمدّ أصولها من الإيمان بما نسمّيه  : " الصراع الفكري " بين مختلف التيارات الفكريّة و السّياسيّة في المجتمع كما تستمدّ أصولها من تقاطع الاختصاصات، إذ لا مجال للحديث عن اختصاص منغلق، مستقلّ بذاته في عصر قدّمت فيه السيبرنتيك هندسة جديدة لتطوير المعرفة، هندسة متشكّلة من تظافر العلوم.   

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش

(1)     انظر على سبيل الذّكر راسم محمّد الجمال : الاتصال و الإعلام في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربيّة. أديب خضور : الإعلام العربي على أبواب القرن الحادي و العشرين، المكتبة الإعلاميّة، دمشق،200. تركي صقر، الإعلام العربي و تحدّيات العولمة، منشورات وزارة الثّقافة، دمشق 1988. تيسير أبو عرجة، الإعلام العربي، تحدّيات الماضي و المستقبل دار مجدلاوي للنّشر و التوزيع، عمّان 1996. ...

(2)      " و من أخطر ما يبثـــه الإعلام ( الإعلام العربي، و على وجه التحديد الإعلام المصري) هوّ ترسيخ فكرة فقر الوطن و ترسيخ فكرة زيادة عدد السّكان. و إنّ ذلك كلّه وراء مستوى المعيشة المنخفض الذي يعيشه النّاس. و إنّ معجزة يوميّة تقوم بها الحكومة هيّ توفير المواد التموينيّة الضّروريّة للشّعب. و إنّ خطورة هذه المقولات التي يراد بها الكسب السّياسي للحكومات تأتي في أنّها تقضي على طموح النّاس في تقدّم عام يشمل الجميع، و تقتل الأمل في الإنتماء لأمّة قوّية، و ترسّخ فكرة الاستكانة بأخطارها المتعدّدة. " ابراهيم دسوقي، جريدة الوفد، أورده محمّد سيّد محمّد، الإعلام و التنميّة، دار الفكر العربي، القاهرة 1988.

(3)     ريجيس دوبري، محاضرات في علم الإعلام العام، الميديولوجيا، دار الطّليعة للطّباعة و النّشر، بيروت 1996.

(4)     لقد تمّ في سنة 1999 تحديد استمارة موسّعة في صلب اتحاد إذاعات الدول العربيّة شملت البحث في  محوري الإنتاج الإعلامي التلفزيوني العربي و الوسائل المعتمدة في ذلك، و وزّعت الاستمارة في مستوى الدول العربيّة و استهدفت المؤسّسات الحكوميّة و البعض من المؤسّسات الخاصة.

(5)     عبدالباسط محمد حسن، أصول البحث الاجتماعي، الطبعة الثامنة، مكتبة وهبة، القاهرة 1982.

(6)     تمّ تشكيل  الفريق المذكور سنة 1999 و يجمع، في مجال التلفزيون : الباحثين عبداللّه الحيدري و عبد القادر رحيم، و في مجال الإذاعة الأستاذ محمّد حمدان، و منسّق : الأستاذ عبد القادر بن الشّيخ.  قام الفريق المتخصّص في الإعلام التلفزيوني بإعداد نصّ  الاستمارة و متابعة أشواطها، كما قام بصياغة الورقة العلميّة التمهيديّة للدّراسة، و حصر النتائج الأولى التي أفضى إليها الاستبيان في مرحلة لاحقة.  و عرض الفريق المذكور كلّ ذلك على اللّجنة العليا لشؤون الإنتاج الإعلامي العربي المجتمعة في تونس أيّام : 11 – 12 يونيو من عام 2000

(7)      هذه البلدان هيّ : سوريا- الأردن – لبنان- السّعوديّة- الكويت- مصر- تونس.

(8)     عبدالباسط محمد حسن، أصول البحث الاجتماعي، مرجع سابق، ص463.

(9)     فراج عبدالحميد، تصميم البحوث، دار النهضة العربيّة، الطبعة الثانية، القاهرة،1979،ص: 54

(10)  استغرقت مرحلة معالجة المعلومات شهرين.

(11)  عواطف عبدالرّحمن، قضايا التبعيّة الإعلاميّة و الثّقافيّة في العالم الثّالث، عالم المعرفة، الكويت 1984.

(12)  اللقاء الذي جمعنا (د. عبدالقادر رحيم و د. عبدالله الحيدري) بالمخرج السّوري خلدون المالح خلال اجتماع اللّجنة العليا لشؤون الإنتاج الإعلامي العربي، تونس، 12 يونيو من سنة 2000. يذكر المخرج، في حديثه عن المشكلات الكامنة وراء ظهور إنتاج إعلامي عربي منسجم مع خصائص البيئة التي تحتضنه، أنّ العلّة العليا لا تتمثّل في غياب المبدعين و المؤلّفين بل في غياب سوق عربيّة تنشّط فعل الصّناعة الإعلاميّة في حدّ ذاتها، ويدفع هذا الواقع بالمستثمرين في القطاع السّمعي المرئي إلى استيراد المضامين بدل الدخول إلى مغامرة الإنتاج عالي التكلفة.

(13)  اتضح من خلال معاينتنا لبرامج التدريس في العديد من معاهد الإعلام و كلّياته في العالم العربي ، أنّ تدريس المواد الصّحفيّة يقوم كلّيا على اعتماد  القوالب الصّحفيّة و النّظريات التي أتت بها المدرسة الأنقلو-ساكسونيّة.

(14)  من التعريفات القديمة للخبر، نجد التعريف الذي وضعه اللّورد نورثكليف عام 1865 و المنسجم مع واقع الإثارة إذ ينطلق  من معادلة بسيطة : إذا عضّ رجلا كلب فهذا ليس بخبر أمّا إذا عضّ رجل كلبا فهذا هوّ الخبر، و مفاد ذلك أنّ المألوف لا يمكن أن يرتقي إلى صفة الخبر. لا تزال معاهد الإعلام في الوطن العربي تعمل بهذه القاعدة التي قد لا تنسجم مع خصائص المحيط المحلّي لأنّ المفهوم جزء لا يتجزّأ من السّياق الذي نشأ فيه.

(15)  نذكر في هذا الصّدد ما أورده تركي صقر : " و لكن ما هيّ رسالة الفضائيات العربيّة إلى العالم التي لا يوجد حتى الآن إلاّ القليل منها الذي يحمل رسالة عربيّة صافية إلى هذا العالم ؟ و هذه الرّسالة لم تكتمل لا من حيث التأثير و لا من حيث الانتشار  فهي ضعيفة المحتوى و الشّكل..." مرجع سابق.

(16)  " إنّ مشكلة هويّتنا الثقافيّة، ليست في اكتساح العولمة و الأمركة، على ما نظنّ و نتوهّم، بل في عجز أهلها عن إعادة ابتكارها و تشكيلها في سياق الأحداث و المجريات، أو في ظلّ الفتوحات التقنيّة و التحوّلات التاريخيّة، أي عجزهم عن عولمة هويّتهم (...) و عقلنة سياساتهم و كوننة فكرهم و معارفهم. تلك هيّ المشكلة الحقيقيّة التي نهرب من مواجهتها : عجزنا حتى الآن عن خلق الأفكار و فتح المجالات أو عن ابتكار المهام و تغيير الأدوار، لمواجهة تحدّيات العولمة ". علي حرب، حديث النّهايات، فتوحات العولمة و مآزق الهويّة، المركز الثّقافي العربي، الطبعة الأولى، بيروت 2000، ص، 37.   

(17)  TANUGI Laurent C, Le nouvel ordre numérique, Ed. Odile Jacob, 1999 

(18)  ضمن المساحة الجمليّة للبث خلال أسبوع، تخصّص القنوات العربيّة نسبة 40% للدراما (أفلام و مسلسلات) و ما بين 15 و 30% للمنوعات و الترفيه.

(19)  راجع في هذا الصّدد ما كتبه إبراهيم عبدالله غلوم في حديثه عن الثغرة الثقافيّة في الإعلام. يذكر الكاتب :" (...) و في تأمّل الثغرة الثقافيّة في الإعلام تداعيات لا حصر لها، يمكن أن تأخذنا إلى تفاصيل صغيرة و لكنّها ذات دلالة على (...) غربة الثقافة في استراتيجيّة الإعلام. و الأمثلة على ذلك تملأ الواقع الثقافي في السنوات العشر الأخيرة التي انتقل الإعلام الرّسمي فيها إلى مرحلة القنوات الفضائيّة. فللوهلة الأولى يوهم البث الفضائي المفتوح بسدّ الكثير من الثغرات و إتمام شكل الحرّية في التلقي الثقافي و لكن الواقع عكس ذلك. فالقنوات الفضائيّة التي يزداد عددها يوما بعد يوم لا تختزل انفتاحنا المعرفي و الثقافي و إنّما تعيد وجودنا التبعي مكانا و زمانا فوق الأرض الواحدة  ". إبراهيم عبدالله غلوم، الثقافة و إنتاج الديموقراطيّة، الطبعة الأولى، المؤسّسة العربيّة للدراسات و النّشر، بيروت 2002، الفصل الثالث، ص : 124، 125.

 

المراجع

 

(1) MIEGE Bernard, Les industries du contenu face a l ordre informationnel, P.U.G, 2000

(2) الصّناعات الإعلاميّة و الاتصاليّة في الوطن العربي، المنظّمة العربيّة للتربية و الثّقافة و العلوم، تونس، 1993.

(3) تركي صقر، الإعلام العربي و تحدّيات العولمة، منشورات وزارة الثّقافة، دمشق، 1998.

(4) أديب خضور، الإعلام العربي على أبواب القرن الحادي و العشرين، المكتبة الإعلاميّة، دمشق، 2000.

(5)  TANUGI Laurent C, Le nouvel ordre numérique, Ed. Odile Jacob, 1999 

(6) عواطف عبدالرّحمن، قضايا التبعيّة الإعلاميّة و الثّقافيّة في العالم الثّالث، عالم المعرفة، الكويت، 1984.

(7) محمّد عابد الجابري، العولمة : نظام و إيديولوجيا، الكتاب الثقافي السّنوي، 2 ، منشورات   المجلس القومي للثقافة العربيّة، الطّبعة الأولى، الرّباط، 1997.

(8) TEYSSIER J.P, La télévision change de siècle, le cherche midi éditeur, 1998.

(9) علي حرب، حديث النهايات، فتوحات العولمة و مآزق الهويّة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، بيروت، 2000.

(10) عبدلله إبراهيم، الثقافة العربيّة و المرجعيّات المستعارة، تداخل الأنساق و المفاهيم و رهانات العولمة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى بيروت، 1999.

(11)  Maria-Angels Roque (sous la direction) Technologies nouvelles et enjeux socioeconomiques, ICM-PUBLISHED, 1ere Ed. Paris 1991

(12) ريجيس دوبريه، علم الإعلام العام، الميديولوجيا، ترجمة فؤاد شاهين، جورجيت الحدّاد، دار الطليعة للطباعة و النشر، بيروت 1996.

(13) Michel Bera, Eric Mechoulan, La machine Internet, Ed. Odile Jacob. Paris, 1999.

(14) إبراهيم عبدالله غلوم،، الثقافة و إنتاج الديموقراطيّة، الطبعة الأولى، المؤسّسة العربيّة للدراسات و النّشر، بيروت 2002.

(15)  Mattelart Armand, La mondialisation de la communication, La Découverte, 1996.

 (16) Lévy Pierre, Cyberculture, Odile Jacob/Conseil de l Europe, Paris, 1997.

·      ملخّص البحث

 

الصّناعات الإعلاميّة العربيّة، قراءة في وسائل الإنتاج، هوّ الموضوع الذي حاولنا ضمن هذه الدراسة الوصفيّة معالجة ما يطرحه من قضايا متصلة بوسائط الإنتاج الإعلامي في المنطقة العربيّة. و الاهتمام بأمر الوسائط في دراسة الحال إنّما يعود في المقام الأوّل إلى ثراء الخطاب المبني حول المجال الوسائطي خلال العقد الأخير من القرن الماضي، فالمجال الوسائطي هوّ المحركّ الدينامي للأفكار، و هو الذي يمنحها البعد الحقيقي لتتحوّل إلى قوّة مسيطرة في الوسط الاجتماعي.

لقد بيّنت الدراسة في شقّها الأوّل افتقار الإنتاج الإعلامي العربي إلى مبدعين خصوصا في كتابة السيناريو  و في مجال الكتابة إلى الطفل و يعود السّبب في ذلك إلى عوامل عديدة نذكر منها :

-       غياب السياسات الإعلاميّة طويلة المدى.

-        عدم الاهتمام، في برامج التكوين و التعليم بالتخصّصات الدقيقة التي تخدم قطاع الإنتاج السّمعي المرئي.

-        محدودية هامش الحرّية بالنّسبة إلى الكتّاب و المؤلّفين ممّا يجذّر أزمة المضمون القائمة في مستوى الإنتاج الإعلامي.

 و النتيجة الطّبيعيّة لهذا الوضع هوّ اعتماد مؤسّسات الإنتاج العربيّة على الإنتاج الأجنبي المدبلج، اعتماد تفسّره نسب المترجمين المرتفعة إذ أنّ مجموع مؤسّسات الإنتاج العربيّة تفي بحاجياتها في ما يتعلّق بترجمة المضامين، ثمّ إنّ هذا الإنتاج يحتلّ في ما بين 30 و 50 % من  مساحة البث الكلّية.

على صعيد آخر تشكو الكثير من مؤسّسات الإنتاج نقصا في التجهيزات التقنيّة التي يعتبرها القائمون على الاتصال سببا في تراجع نسب إنتاج فئات من البرامج الثقافيّة و العلميّة و الوثائقيّة. و الملفت للنّظر أنّه عندما يتعلّق الأمر بإنتاج البرامج الإخباريّة فإنّ المؤسّسات ذاتها لا تواجه صعوبات لوجستيّة بل إنّ التجهيزات المتوفّرة لديها تفي بالحاجة لإنتاج كلّ الفقرات الإخباريّة القارّة و الظرفيّة.

يتضح في ضوء هذه المعطيات أنّ الإنتاج الإعلامي العربي إنّما تعيقه سياسات إعلاميّة  متشابهة مستمرّة في إنتاج السلطة السّياسيّة و دعم حضورها في الفكر الجماعي. و عندما يكون الإعلام منحصرا في فكر الدولة تتعطل آليات التغير الاجتماعي و يظلّ فعل الابتكار مهمّشا. إنّها الأسباب الحقيقيّة المكوّنة للمشكل الكبير في مجال الصّناعات الإعلاميّة العربية، أمّا ما يطرح من صعوبات في مستوى توفّر الوسائط الضروريّة للإنتاج أو في مستوى الكفاءات الإبداعيّة فهي في نظرنا  عناصر فرعيّة للمشكل الكبير المشار إليه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Abstract

 

This study aims mainly at investigating the information industry in the Arab world. It deals with issues related to tools of media production in the Arab region.

The study find out that media production field in the Arab world lack of creative personnel, particularly in the writing of scenario and children features. This is due to some reasons :

·       Lack of strategic media policies.

·       Lack of audio-video production concerning socialization and educational programs.

·       Limitation of freedom and production control.

The above reasons enforce Arab media to depend heavially on translated foreign programs. Imported programs represent between 30% and 50% of transmitted hours in the Arab media.

On the other hand, a great number of ,media production institutions in the Arab world have insufficient technical resources to produce enough  scientific, cultural and documentary programs. This  is not the case for news production that have no logistic difficulties. It can be noted that the limitation of media production may be understood in the context of the relationship between media institutions. As the media reflect basically views of political elite, their role in social change will be limited. Chances for creativity will be restricted. This means that the problem is not the media or technology, but mainly the public and political sphere in which the media exist.   

 

الإستمارة

وسائل الإنتاج و الكفاءات المتخصّصة

سنة الإحصاء، 1999، أو إن أمكن 2000

استمارة رقم 2

 

1) -الوسائل التقنيّة

 

·      

 

 

هل تعتمد مؤسّستكم في الإنتاج أجهزة تماثليّة :          نعم               لا           

·      

 

 

هل تعتمد مؤسّستكم في الإنتاج أجهزة رقميّة :           نعم               لا                     

·       كم عدد الاستوديوهات بمؤسّستكم :.......................................                  

·       كم عدد خلايا التركيب :.................................................

·       كم عدد خلايا الإنتاج :...................................................

·       ما هو العدد الجملي للكاميرا هات الثابتة بمؤسّستكم :......................

·       ما هو العدد الجملي للكاميرا هات المتنقّلة بمؤسّستكم :......................

 

هل تعتبرون أنّ الأجهزة الحاليّة المتوفّرة لديكم تفي بالحاجة لإنتاج البرامج :

-       

 

 

الترفيهيّة :                                     نعم                 لا

-       

 

 

المنوّعات  :                                     نعم                 لا

-       

 

 

الدراما    :                                     نعم                 لا

-       

 

 

 الأخبار   :                                    نعم                 لا

-       

 

 

البرامج الوثائقيّة :                              نعم                 لا

 

إذا كانت الأجهزة المتوفّرة لا تفي بالحاجة، هل تعتزم مؤسّستكم اقتناء :

-       

 

 

أجهزة جديدة :                                 نعم                 لا

 

 

 

 

 

 

2) -  الوسائل البشريّة

في عمليّات الإنتاج، هل أنّ الكفاءات البشريّة بمؤسّستكم تفي بالحاجة

 

    

الكفاءات البشريّة

تفي بالحاجة

لا تفي بالحاجة

ذكور

إناث

المخرجون

 

 

 

 

المركّبون

 

 

 

 

المصوّرون

 

 

 

 

مهندسو الإضاءة

 

 

 

 

مهندسو الصّوت

 

 

 

 

المقدّمون

 

 

 

 

المنشّطون

 

 

 

 

المترجمون

 

 

 

 

المؤلّفون

 

 

 

 

المراسلون المحلّيون

 

 

 

 

المراسلون في الخارج

 

 

 

 

كتّاب السيناريو

 

 

 

 

المتخصّصون في الكتابة للطفل

 

 

 

 

الكفاءات الإداريّة :

- المتخصّصون في التسوّيق

-المستشارون القانونيون

 

 

 

                    

 

 



* مشروع إنجاز هذه الدّراسة كان بطلب من اتّحاد إذاعات الدّول العربيّة في البداية، و يتفرّع  المشروع إلى قسمين : يدرس الأوّل، الذي يشرف عليه الأستاذ عبد القادر رحيم، مضامين الإنتاج الإعلامي في البلاد العربيّة فيما يبحث القسم الثّاني، و هو تحت إشرافنا  مستوى وسائل الإنتاج، ولمّا بلغت الدّراسة مرحلتها الأخيرة، ارتأت إدارة الاتحاد إدراج  تغييرات منهجيّة، منسجمة مع ما لاتحاد إذاعات الدول العربيّة من خصائص، أفضت إلى استبدال الفريق الأوّل في مجال التلفزيون بفريق ثان، و كان أن وضعنا هذا القسم من الدّراسة ضمن سياقه السّوسيولوجي انطلاقا من مقاربة نظميّة تناولت في الاعتبار المتغيّرات المحلّية المباشرة، و العوامل الدوليّة المكيّفة للصّناعات الإعلاميّة بشكل عام.   

 



أضف تعليقا