ما المقصود بالزمن الميدياتيكي ؟
أذكر عندما كنّا أطفالا بالمدارس، أذكر كيف كنّا نقتني أصناف الكرّاسات الجميلة التي نسخّرها لتدوين ما تتميّز به حياتنا الدراسيّة والاجتماعيّة من تجارب مختلفة، كنّا ندوّن نجاحنا وفشلنا ومحبّتنا وأحلامنا على صفحات بيضاء، نعيد إخراجها بزينة جديدة كنّا نجتهد في ابتداعها واقتباسها من خيالنا الذي لا يعرف قاعدة في الرّسم أو في الإخراج. كنّا ندوّن ذلك من دون معرفة ما إذا كان الكرّاس بوصفه مرتكزا " ورقيّا " سيقاوم الزمن على مدى طويل، لأنّ القصد من التدوين كفعل إنساني هوّ في أذهاننا يتلخّص في بناء تراث فردي نأمل أن يطّلع عليه الآخرون في يوم ما، تراث كنّا نتبادل بعضه عبر حلقات الاتصال الوجاهي في حدود فضاءات الاتصال التقليدي، وكذلك عبرالبريد من خلال إنشاء الرّسائل التي نتبادلها و التي ينقلها لنا ساعي البريد. وساعي البريد رجل طيب أبدا، يحظى بمحبّة الجميع واحترام الجميع، حتى أنّ البعض من الشعراء منحوه من قوافيهم ما يناسب وظيفته النبيلة، وكذالك المغنون.
فمسألة التدوين هي حينئذ مسألة قائمة في ذاتنا، بل هي جزء من ذاتنا، لاعتبار فعل التدوين ضربا من ضروب تحقيق الذات. ولقد اطرد في العرف البشري تعريفه على أنّه جمعٌ لتجارب الإنسان ومواقفه وآراءه وأطروحاته العلميّة، جمعُ يعكس حرص الإنسان على مشاركة الآخرين خبراتهم وأحاسيسهم وانتظاراتهم، وكذلك حرصه على ضغط الزمن و " تحنيطه " لاستحضاره متى وجب ذلك.
والتدوين فعل لا يختصّ به فرد دون آخر ولا مجتمع دون آخر، ولا عصر دون آخر، إنّما هو حقيقة إنسانيّة عرفتها كلّ المجتمعات ولكن بأساليب تختلف باختلاف أدوات التواصل المتصلة بكلّ عصر. فمن التدوين على الأحجار والكهوف، إلى التدوين عبر المخطوطات، فالتدوين المطبعي، ثمّ الإلكتروني.
إنّ المتغيّر في فعل التدوين هوّ الأداة. ولكن هذا أمر ظاهري لأنّ الأداة عندما تتغيّر، تجرّ إلى دائرتها منظومة التفكير كاملة، فهي لا تشتغل بمعزل عن العمليّات الفكريّة المركّبة، بل إن العمليّات الفكريّة برمّتها لا تدور بعيدا عن الأداة الناقلة للأفكار.
وإذا اعتبرنا بضرب من التسليم أن التدوين حقيقة قارّة، نجده في الماضي فعلا اجتماعيّا يخترق المكان، وغايته هيّ بقاء الأثر المدوّن بصرف النظر عن أهميّة نقله وتداوله كشكل من أشكال التواصل ولو أنّ القصد من بقاء الأثر هنا هوّ التداول, بينما نراه اليوم سلوكا يخترق الزّمن لاعتبار الغاية المركزيّة في فعل التدوين هي النقل والتداول والمشاركة.
لقد اتصلت حياة الفرد اليوم اتصالا لا فكاك منه بوسائل الإعلام والاتصال الإلكترونيّة إلى حدّ تفكّك الرّوابط الحميميّة الأسريّة والاجتماعيّة الأخرى التي كنّا نعتقد، مع ظهور التلفزيون، أنّها بالفعل قد بدأت في التلاشي. فوسائط الإعلام والاتصال الموغلة ّ في التطوّر والتغيّر، أصبحت تغمر كلّ حياتنا من دون استثناء، وظلت تمثل المجال النشط الذي تتشكّل منه حياة الفرد والمجتمع. والسبب في ذلك ليس التطوّر التقني في حدّ ذاته، إنّما إفرازات هذا التطور المتمثلة في بروز سلوكيات جديدة، وقيم جديدة، ونظرة جديدة للعالم.
لقد اتاحت تقنيات الاتصال الحديثة للإنسان مجالا أرحب للتفكير، للإنتاج، للتبادل، للإبداع، للتواصل... ولم يكن هذا متاحا في حضور الوسائل التقليديّة بالصّورة التي نشهدها اليوم.
إنّنا نعيش منظومة جديدة نصنع من خلالها زمنا جديدا، هوّ زمن الوسائط الإعلاميّة والاتصاليّة، أو ما نسمّيه بالزّمن الميدياتيكي، إحالة إلى كلمة : " ميديا " التي تعني الوسيط أو وسيلة الإعلام.
والزمن الميدياتيكي هوّ الزمن الذي نحقّقه في صلاتنا المستمرّة مع وسائل الإعلام والاتصال بوصفنا أفرادا اجتماعييين ولا يعدو أن يكون زمنا وسائطيّا لاعتمادنا، في الإنتاج والتفكير والتواصل والتفاعل، على تقنيات الإعلام والاتصال.
الزّمن الميدياتيكي هوّ كذلك الزّمن الذي يحتضننا بوصفنا متابعين، مستهلكين للصّناعات الإعلاميّة المتدفّقة بأقدار لم يشهدها تاريخ صناعة المضامين.
كلّ مجتمع ينتج تمثّله للزمن من خلال مختلف الأنشطة التي يقوم بها. في المقابل كل مجتمع تقوده منظومة القيم الميدياتيكيّة إلى بناء تمثّله للزّمن.
وإذا أردنا أن نفهم طبائع مجتمعا ما، ينبغي أن ندرس أنشطته في الزمن الذي يعيشه. مجتمعنا اليوم يجوز أن نفهمه أكثر عندما نحقّق في الأنشطة التي تؤثّث أوقاته وندرس الفعل الذي يحقّقه. والفعل في تقديرنا، ضمن هذا السّياق، هو صلة المجتمع بوسائط عصره.
د. عبداللّه الزّين الحيدري









09 ابريل, 2008 04:15 م