الصّورة ومراتبها في أقسام الإعلام العربيّة
الدكتور عبدالله الزين الحيدري
قسم الإعلام، جامعة البحرين
ملخّص البحث *
يهتمّ البحث بدراسة موضوع الصّورة و المراتب التي تحتلّها في خطط تدريس مواد الإعلام بالجامعات العربيّة، كيف يبدو حضور الصّورة في المقرّرات المتصلة بالإعلام التي يتلقّاها الطالب (الصحفي)، هل هوّ حضور بارز مدعوم برصيد علمي يحيل الطالب على إدراك الحقول المعرفيّة التي تهمّ مجال الصّورة، أم أنّه حضور متجسّد في شقّه التقاني المجرّد و يستند إلى تلقين الطالب مهارات في التصوير و التركيب لا غير ؟ أين يتجه التكوين الإعلامي في مجال الصّورة بأقسام الإعلام العربيّة، هل هوّ منسجم مع الخطاب المغالي لدور الصّورة في عصر أصبحت فيه صناعة الصّورة خيارا استراتيجيا خصوصا لمّا نعلم أن ثلث صادرات الولايات المتحدة الأمريكيّة ينحصر في تكنولوجيا الصّورة، أم أنّه تكوين قريب من الحرفيّة الكلاسيكيّة في الإعلام ؟
تستوجب الإجابة على الأسئلة المطروحة اعتماد عيّنة تجمع نماذج من برامج تدريس المواد الإعلاميّة في البلدان العربيّة و قد خيّرنا اعتماد عيّنة قصديّة تبدو في نظرنا ممثلة لمجتمع البحث (لكونها قصديّة) و تجمع كلّ من : تونس، و مصر، و السّعوديّة، و قطر، و البحرين و المغرب، و الأردن،
يتيح لنا هذا الاختيار الكشف عن الواقع الأكاديمي للصّورة في البلدان العربيّة.
· موضوع البحث و مشكليّته
يصف الكثير من الباحثين و المفكرين و الإعلاميين عصرنا اليوم بعصر الصّورة نظرا للدّور البارز الذي تقوم به في ضبط السلوك و توجيه الرّأي من جهة، و لتطوّر آليات إنتاجها و ازدهار صناعتها بوصفها وسيطا محوريّا يختزل وصف العالم و ينقل قيمه. و قد تزايد الاهتمام بمجالها على أكثر من صعيد :
أ- في مستوى التربية و التكوين تفيدنا الدّراسات (1) أنّ نسبة الاعتماد على الصّورة لكسب المهارات الأساسيّة خلال مراحل التعليم الأولى تفوق بكثير نسبة حضور المكتوب، نسبة بدأت في الارتفاع أواخر القرن الماضي مع اختراع الليزر (2) و تطوّر الأنظمة الرّقميّة و الحاسوبيّة، و تغيّرت بمقتضى ذلك أساليب التنشئة الاجتماعيّة التي أصبحت تستند في جزء كبير منها إلى صناعة الصّورة إلى حدّ وصفها بالتنشئة الرّقميّة.
ب- في مستوى البحث العلمي يقدّم لنا الفكر الغربي كمّا هائلا من الأدبيّات التي اعتنت بفحص الآثار الناجمة عن وظائف وسائل الإعلام السمعيّة المرئيّة (3) وعالجت موضوع الصّورة في بعديه المادّي و الرّمزي (4)، و قد لمع في إثراء هذا الرّصيد البحثي كلّ من أمبرتو إيكو و كريستيان ماتز و رولان بارت إذ اعتبرت أعمالهم مداخل أساسيّة لفهم دلا لات الصوّرة و نفوذها، كما انّها منحت سياسات التعليم شرعيّة تأسيس أقسام خاصة بالصّورة ضمن معاهد الإعلام و كلّياته بالعديد من البلدان الأوروبيّة.
ت- على الصعيد الاقتصادي تعدّ صناعة الصّورة رافدا هامّا من روافد التنميّة الاقتصاديّة خصوصا مع حلول تلفزيون الكابل (5) و اعتماد الرّقميّة في مرحلة لاحقة، تقنيّة فائقة في الإنتاج و البث جلبت إلى دائرتها جيلا جديدا من المستثمرين و الفاعلين في الاتصالات. و تمثّل اليوم التجارة المتصلة بتكنولوجيا الصّورة ثلث صادرات الولايات المتحدة الأمريكيّة (6) ممّا يعرب عن وجود سوق حقيقيّة ينشطها الإقبال المكثّف على استهلاك الواقع الممشهد (7).
ث- على الصّعيد السياسي تأكّد للفاعلين في السّلطة أنّ تحقيق إنتاج القرار يمرّ عبر إنتاج الصّور لأنّ القرار الذي لا تسبقه صورة لا يمكن أن يتحوّل إلى قوّة منظّمة في المجتمع لذلك نجد المؤسّسات السّياسيّة اليوم تعمل وفق مبدإ الانعكاس في منحها للقرار صورة يسمح للصّورة بأن تتحوّل إلى قرار فاعل. و ليس غريبا أن يصبح هذا الانعكاس منتجا للدّلالة لما للصّورة من قدرة فائقة على اختراق بوّابات الإدراك. فالسّلطة لا تكون فاعلة إلاّ عندما تكون مرئيّة.
إنّ الأهميّة المتزايدة التي تحظى بها الصّورة في عصرنا الحالي تحيط بها عوامل كثيرة مختلفة هي الأصل في منح الصّورة سلطة لم تشهدها من قبل، و ليس من قصدنا في هذه الدّراسة فحصها جميعا بل نكتفي بالإشارة إلى أبرزها و المتمثّلة في تبدّل قيم المجتمع من ناحية و عودة الانبهار بتكنولوجيا الإعلام من ناحية أخرى، وهي مرحلة عاشها العالم في بداية النصف الأوّل من القرن العشرين لمّا لاح لأرباب الدعاية و الإعلان في تلك الفترة أنّ التغيّر في المجتمع إنّما تحدثه وسائل الإعلام لما تتمتّع به من قدرة فائقة في التأثير .
و واقع الأمر أنّ الاهتمام بمجال الصّورة قد شهدته كلّ العصور على اختلاف ثقافاتها و أدواتها المعتمدة في التفكير و التصوير معا، بل لا يمكن استثناء فترة من تاريخ الإنسان تكون خالية من إنتاج الصّور أو من التفكير في الصّورة، و يطالعنا التراث البلاغي العربي بفيض هائل من الأعمال البحثيّة و النقديّة التي تعكس اعتناء البلاغيين و النقاد و الأدباء القدامى بدراسة الصلات المركّبة القائمة بين التصوير و التصوّر و بين اللّفظ و المعنى، و الشّكل و المضمون، و التخيّل و الواقع، و الذهني و المتجسّد...و إنّ من المفكرين (8) من تحدّث عن تركيب الصّور بالصّيغة التي يتمّ من خلالها حاليّا التركيب التقني لشريط الصّور و المعروف بـ : المونتاج.
فالصّورة ليست ظاهرة قد تبرز و تختفي، إنّها حقيقة متلازمة مع حقيقة التفكير ترافق إدراك الإنسان و سعيه إلى السّيطرة على الطبيعة، و يكفي التمعّن في تركيبة النّظام البصري للإنسان و كيفيّة ارتباطه بالجملة العصبيّة حتى نسلّم بأنّ التفكير إنّما يجري على نحو تكون فيه الصّورة حاضرة.
و الموضوع الذي نطرحه في دراسة الحال هوّ كيف تتعامل أقسام الإعلام بالجامعات العربيّة مع الصّورة. هل تمنحها البعد المعرفي المناسب لفهمها و تحليلها بوصفها خطابا منتجا للدّلالة. ما هيّ المراتب التي تحتلّها الصّورة في الخطط الدّراسيّة و كيف يبدو حضورها في المقرّرات المتصلة بالإعلام التي يتلقّاها الطالب (الصحفي)، هل هوّ حضور بارز مدعوم برصيد علمي يقود إلى إدراك الحقول المعرفيّة المهتمّة بمجالها، أم أنّه حضور متجسّد في شقّه التقاني المجرّد، ينتج المهارات في التصوير و التركيب لا غير ؟ أين يتجه التكوين الإعلامي في مجال الصّورة بأقسام الإعلام العربيّة، هل هوّ منسجم مع الخطاب المغالي لدور الصّورة في عصر أصبحت فيه صناعة الصّورة خيارا استراتيجيا، أم أنّه تكوين مستمرّ في تطبيق قواعد الحرفيّة التقليديّة في الإعلام ؟
تستوجب الإجابة على الأسئلة المطروحة رصد المحاور الكبرى للخطط الدّراسيّة في التكوين الإعلامي بالمؤسّسات الأكاديميّة العربيّة للتحقّق في ما إذا كان لدروس التخصّص المكتوبة و السّمعيّة المرئيّة مجال معرفي يوازيها، تستند إليه أساليب الكتابة بالصّورة و إلى الصّورة.
· منهجيّة البحث
إعدادنا لهذه الدراسة لا يرمي إلى تحديد وصفة جاهزة يجري بها العمل في وضع الخطط الدّراسيّة بأقسام الإعلام في البلدان العربيّة، كما لا يهدف إلى استبدال منهج دراسي بآخر، إنّما يسعى إلى إبراز حقائق راهنة متصلة بالطرائق التعليميّة المعتمدة في مقاربة الصّورة و الكشف عن الأساليب البيداغوجيّة التي تحكمها ممّا يساعد على تطوير مضامين الدّروس في مجال الإنتاج الإعلامي و فتحها على الحقول المعرفيّة المهتمّة باستقصاء مستويات مختلفة من أنماط الإعلام و الاتصال. لذلك نرى من الأنسب توظيف المنهج الوصفي الذي من خصائصه وصف الظواهر " و تشخيصها و إلقاء الضوء على جوانبها المختلفة و جمع البيانات اللاّزمة عنها مع فهمها و تحليلها...(9). فاستخدام هذا المنهج يتيح الوصول إلى إقرار مبادىء عامّة تفيد معالجة الظاهرة المدروسة.
· عيّنة البحث
تبيّن عند اطّلاعنا على الخطط الدّراسيّة المعتمدة في أقسام الإعلام العربيّة وجود تجانس بين مسارات التخصّص الإعلامي على الرّغم من بعض الاختلافات القائمة في مستوى مسمّى المقرّرات و التي لا نعتبرها مبدئيّا اختلافا في طبيعة الدّروس. و يقودنا هذا العامل إلى اعتماد عيّنة محدودة الحجم لأنّه كلّما كان المجتمع الأصلي للبحث متجانسا، وجب ضبط العيّنة ضمن حجم صغير من المفترض أن يكون ممثّلا لجميع الوحدات. و قد خيّرنا اعتماد عيّنة قصديّة تجمع أقسام الإعلام في كلّ من : تونس، و مصر، و السّعوديّة، و الكويت.
يتيح لنا هذا الاختيار الكشف عن الواقع الأكاديمي للصّورة ضمن مواقع تتأثّر فيها مناهج التعليم الإعلامي بتيّارات فكريّة تنحدر من مدارس إعلاميّة واتصاليّة مختلفة. فالمدرسة الفرنسيّة لا تزال تشكّل، بالنّسبة إلى معاهد الإعلام و كلّياته في المغرب العربي، المرجعيّة العلميّة الأساسيّة في التكوين الصّحفي و الإذاعي التي يستمرّ دعمها من خلال تعدّد أشكال التعاون الثقافي بين البلدان الأوروبيّة و بلدان شمال إفريقيا. و المدرسة الأنغلو ساكسونيّة فرضت، بالعديد من بلدان الشّرق الأوسط، نسقها البراغماتي في التكوين الإعلامي الذي انطبعت به أغلب الخطط الدراسيّة في الأوساط الأكادميّة.
فالعيّنة القصديّة المعتمدة في دراسة الحال، إنّما تشمل في واقع الأمر النظام المرجعي المزدوج بوصفه أنموذجا مكيّفا للتوجّهات المعرفيّة في مجال التكوين و التدريب الاتصالي و الوسائطي. أمّا وحدات العيّنة فتمثّلها مقرّرات التخصّص المتّبعة ضمن الخطط الدراسيّة.
· الواقع الأكاديمي للصّورة في الخطط الدّراسيّة
الحديث عن الصّورة في حقل الإعلام، لا يخرج في الغالب عن نظام الإنتاج الصّحفي و التلفزيوني، بل هوّ مستقرّ في مركزه لأنّ طبيعة الإنتاج في حدّ ذاتها مشروطة بفعل التصوير. لذلك نجد الاعتناء بموضوع الصّورة في أقسام الإعلام بشكل عام تتجاذبه مناطق في التكوين المتخصّص مثل تخصّص الصّحافة، أو تخصّص إذاعة و تلفزيون . و سنهتمّ بفحص هذه المناطق في علاقتها بالخطط الدّراسيّة التي تضمّنتها عيّنة البحث من دون إغفال المستويات التعليميّة المدرجة قبل تحديد التخصّص، وترد عادة في شكل مقرّرات تمهيديّة إلزاميّة تؤهّل الطّالب للالتحاق بتخصّص معيّن.
جدول رقم 1 : خطة تدريس برامج الإعلام بجامعة الملك سعود (سنة الإحصاء : 2004)
|
قسم الإعلام – جامعة الملك سعود |
مستوى التكوين الأساسي |
مستوى التكوين المتخصّص | |
مقرّرات التكوين الأساسي |
مقرّرات التخصّص (صحافة) |
مقرّرات التخصّص إذاعة/ تلفزيون |
المهارات اللّغويّة |
دراسات لغويّة |
دراسات لغويّة |
مقدّمة في الاتصال |
النّظام الاقتصادي في الإسلام |
النّظام الاقتصادي في الإسلام |
مدخل إلى وسائل الإعلام |
الرّأي العام و الدعلية |
الرّأي العام و الدعلية |
مهارات بحثيّة و كتابيّة |
الخبر |
الخبر |
علم النّفس الاجتماعي |
الاتصال المرئي |
الاتصال المرئي |
التغيّر الاجتماعي |
الصّحافة و تطوّرها |
البرامج الإذاعيّة و التلفزيونيّة |
التحرير العربي |
التصوير الصّحفي |
تشغيل الاستوديو الإذاعي و التلفزيوني |
اللّغة الانجليزيّة |
الإعلام الدّيني |
الإعلام الدّيني |
المدخل إلى الثقافة الإسلاميّة |
الإعلام و التنمية |
الإعلام و التنمية |
مقدّمة في الفنون المسرحيّة |
توثيق المعلومات الصّحفيّة و تنظيمها |
تقنيات الاتصال |
أسس التصوير |
الاتصال الثقافي |
الاتصال الثقافي |
الإعلام السّعودي |
تحرير الفنون الصّحفيّة |
الإدارة والتخطيط في الإذاعة و التلفزيون |
دراسات أدبيّة |
إدارة الصّحف |
الإنتاج التلفزيوني |
الجغرافيا السّياسيّة |
أسس النّظام السّياسي في الإسلام |
أسس النّظام السّياسي في الإسلام |
الإسلام و بناء المجتمع |
نظريّات الاتصال |
نظريّات الاتصال |
قوانين إعلاميّة |
الإعلام و الحرب النّفسيّة |
الدراما في الإذاعة و التلفزيون |
مناهج البحث الإعلامي |
طباعة الصّحف و إخراجها |
الإعلام و الحرب النّفسيّة |
مقدّمة في علم السّياسة |
تحرير الخبر |
الكتابة للإذاعة و التلفزيون |
|
|
الصّحافة المتخصّصة |
الاتصال الخطابي |
|
|
الاتصال الخطابي |
الإنتاج الإذاعي |
|
|
وكالات الأنباء |
جماليات الفنون الإذاعيّة |
|
|
الإعلام الدّولي |
الإعلام و التعليم |
|
|
لغة الإعلام |
تدريب عملي/إذاعة/تلفزيون |
|
|
|
فنّ الإعلان |
|
|
|
لغة الإعلان |
|
|
|
قضيّة إعلاميّة (حلقة دراسيّة) |
|
|
· اختيار مسار |
· اختيار مسار |
|
قسم الإعلام – جامعة الكويت |
جدول رقم 2 : خطة تدريس برامج الإعلام بجامعة الكويت (سنة الإحصاء : 2004)
مستوى التكوين الأساسي |
مستوى التكوين المتخصّص | ||
مقرّرات التكوين الأساسي |
مقرّرات التخصّص ( صحافة) |
مقرّرات التخصّص إذاعة + تلفزيون | |
لغة عربيّة |
تحرير المواد الخبريّة + تدريب عملي |
تحرير البرامج الإخباريّة | |
الحضارة العربيّة الإسلاميّة |
تحرير المقال و التحقيق |
كتابة النصوص غير الإخباريّة للإذاعة مع تدريبات | |
نحو |
التصميم و مبادىء الإخراج الصّحفي |
الإخراج الإذاعي و التلفزيوني | |
لغة انقليزيّة |
التصوير الصّحفي |
الإعلان الإذاعي و التلفزيوني | |
تاريخ الكويت الحديث و المعاصر |
تدريب ميداني صحافة |
برامج المنوّعات و البرامج الثقافيّة | |
مقرّرات اختياريّة يختار منها الطّالب 4 مقرّرات : -الإنسان و البيئة-مخل إلى علم الاجتماع-مدخل إلى علم النّفس-فلسفة العلوم-حكومة و سياسة الكويت-مبادىء الاقتصاد-النّظام الدستوري في الكويت. |
|
تدريب ميداني-إذاعة و تلفزيون. | |
مدخل إلى علم الإعلام |
المقرّرات المساندة : يختار الطالب تخصّصه المساند من قسم علمي واحد |
| |
مبادىء الكومبيوتر |
|
| |
نظريّات الاتصال الجماهيري |
|
| |
تاريخ الإعلام في الكويت و منطقة الخليج |
|
| |
ترجمة إعلاميّة |
|
| |
النّحو للإعلاميين |
|
| |
التشريعات و التنظيمات الإعلاميّة |
|
| |