التكوين الإعلامي في مجال التلفزيون بأقسام الإعلام العربيّة
د. عبدالله الزين الحيدري
قسم الإعلام والسياحة والفنون، جامعة البحرين
يطرح تطوّر التقنية الوسائطيّة في مجال الإعلام والاتصال اليوم قضايا معرفيّة حادّة تدور كلّها حول فهم الآفاق الحقيقيّة للواقع السّوسيولوجي المركّب الذي أفرزه ظهور بيئة عالميّة جديدة تتمتّع بقوّة تدفق فائقة للمعلومات. و لقد أصبح من البديهي الحديث عن ظهور هذه البيئة خصوصا لمّا ندرك تنامي الحضور المضاعف لتكنولوجيا الاتصال في المواقع التي تمثّل محور أنشطة المجتمع الدّيناميّة ، و نتبيّن مدى اعتماد الأفراد الاجتماعيين، في إنتاجهم و مبادلاتهم، على الوسائط الجديدة للإعلام و الاتصال إذ لا يخلو نظام علائقي اليوم من وجود أثر يعكس ثقافة الاستخدام المرن لتكنولوجيا المعلومات ممّا أدّى إلى حصر التفكير في تنمية أساليب التعامل و التعايش مع الأنساق الحديثة لمجتمع المعلومات. و الأصل في تشكّل مجتمع المعلومات إنّما يعود إلى بداية التسعينات من القرن الماضي لمّا لاحت الوظائف الاجتماعيّة الأولى لشبكة الأنترنت محقّقة لنجاح واسع النطاق في مستوى تبادل الرّسائل الإلكترونيّة و معربة في الوقت ذاته عن تأسيس علاقة جديدة بالمعرفة و بالعالم دفعت بالأفراد الاجتماعيين إلى مراجعة منعكساتهم الاجتماعية في التواصل بل و استبدال جزء منها بما يجعلهم مسيطرين على جميع الاتجاهات التي يحكمها النّظام الرّقمي العالمي. فالتطوّر التقني لا يحدث و لا يستمرّ وفق نظام مستقلّ بذاته، تحرّكه الوسائل و الأدوات، إنّما يرافقه تطوّر لسلوك اجتماعي هوّ بمثابة الأمر الواقع الذي ينظّم ويراقب وسطا ثقافيّا بعينه لذالك فإنّه من الضّروري، عند دراسة مظاهر التطوّر التقاني الحديث، النّظر إلى مجتمع المعلومات على نحو لا يقوّم التقنية المتطوّرة أكثر من اللاّزم لأنّ كلّ أشكالها مرتبطة ببنية فوقيّة من المفاهيم تقود الفرد إلى تعديل مناهج تفكيره و عمله و تعاونه مع نظرائه. و لا شكّ أنّ ظهور " الواب " (Web)، كفضاء للفكر الجماعي أتاح مرونة لا مثيل لها في تبادل المعلومات و إنتاج المعرفة، قد رافقته قراءة جديدة للزّمان و المكان تحوّل بمقتضاها العالم إلى نظام مفتوح تنشّطه المعلومة في كلّ حالاته و أطواره، و إذا أخذنا في الاعتبار امتلاكه للرّمز و الذّاكرة، كما يقول ريجيس دوبري في حديثه عن التخزين الإلكتروني، وطواعيته في أداء وظائف اجتماعية و اقتصاديّة و معرفيّة، ندرك حقيقة وصفه بالعصب المركزي لمجتمع المعلومات.
لم يعد بإمكان العالم اليوم، وقد سعى منذ عقود إلى مضاعفة سرعة تدفّق الرّسائل و المضامين التي تمثّل محور قوّته الإنتاجيّة،لم يعد بإمكانه الانفصال عن الشروط الإلكترونيّة لنظام المعلومات لأنّ قضيّة بناء المعرفة التي تشغل بال المفكرين و الباحثين من مختلف الاختصاصات العلميّة ليست مرتبطة بالمعلومة في بعديها المعرفي و الاستراتيجي، إنّما هي،ّ بالصّيغة التي يطرحها نظام دمج الوسائط ، قضيّة تكيّف مع الوسائط في حدّ ذاتها ذلك أنّ كلّ مـجال وسائطي جــديد " يعيد تشكيل العقد الاجتماعي " (1) و السّؤال الذي نطرحه هوّ كيف يجري التكوين في مجال الإعلام التلفزيوني،في حضور وسائط تقنيّة جديدة، وكيف يتسنى بناء المعنى وكسب المعلومات باستخدام الوسائط ذاتها، فالطّريق الموصلة إلى المعلومات غمرتها مسالك تقانيّة على غاية من التعقيد و اتباعها يستوجب معرفة دقيقة للتحكّم في وظائف الوسيط الإلكتروني بشكل عام. ثمّ كيف يتمّ التعامل معها، في المقام الثاني، على نحو تفاعلي ضمن ما يتراكم من دمج للوسائط و من أنظمة حاسوبيّة لا تروم الاستقرار و الثبات. هل نحن أمام حتميّة التكوين المستمر ، إلى ما لا نهاية له، في مجال وسائطي متغيّر، نرصد تغيّره من الخلف، أم أنّه بإمكاننا الاستمرار في تطبيق فصل المهن التقليديّة القاضي بتوزيع الأدوار وفق التخصّصات المستقلّة المسترسلة ليظلّ المخبر مخبرا على الدّوام، و المصوّر مصوّرا و الإذاعي إذاعيّا و النّاقد ناقدا و المفكّر ،كما ألفه النّاس، غارقا في التفكير من دون الحاجة إلى اعتماد لغة إلكترونيّة في التفكير أو بالأحرى و كأنّ ما يدور في فكره لا علاقة له أصلا بالوسائط الماديّة للمعرفة. أيّ موقع للمتخصّص و أيّ دور له في الجغرافيا الجديدة لمهن الإعلام و الاتصال. هل من الجائز قطع الجسور مع أحاديّة التخصّص التي عمّرت حتى أواخر القرن الماضي ليتعاقد الفرد مع ثقافة جديدة تقتضي التخصّص في " كلّ شيء " تحت شعار الانسجام مع التقاليد الحديثة لمجتمع المعلومات.
من الواضح هنا وجود حقل للجاذبيّة يدور حوله مجتمع المعلومات ويتضمّن الأشكال الماديّة لإنتاج المعلومات و معالجتها و نقلها و تخزينها وهي أشكال تتمدّد وتتزايد مخلّفة عبر مراحلها أجيالا من المهن بعضعا يقاوم الزّمن والبعض الآخر سرعان ما يتبخّر ليحلّ محلّه جيل جديد و لنلاحظ مرحلة دمج الوسائط الموصوفة بـ : ثورة الاندماج، إنّها المرحلة البارزة في تاريخ تكنولوجيا المعلومات، التي أربكت استقرار مهن الإعلام و الاتصال وجعلتها مهيّأة للتبدّل في كل حين على أنّ هذه المهن لم تشهد الاستقرار على امتداد تاريخها التقني و الاجتماعي، و لكن السرعة التي يتقرّر بها تطور النظام الرّقمي الوسائطي هيّ المطروحة اليوم كعامل محّدد للتفكير في السيطرة على المرتكزات الرّقميّة المندمجة و محيطها المهني.
مرحلة الاندماج
ليس المهمّ، في الحديث عن دمج الوسائط، تعيين مراحل تشكّله في الزّمان و المكان لأنّ النّظر إلى الموضوع من هذه الزّاوية، يحيلنا، إلى استعراض المشهد في بعده التاريخي القاضي بفحص البذور الأولى لمرحلة الاندماج و التي يمكن حصرها في ظهور الحاسب الأوّل و ما تلاه من تسارع في تطوّر أنظمة الإعلام و الاتصال، تسارع اختصّ به النّصف الثاني من القرن العشرين معلنا حلول عصر المعلومات. و ليس من قصدنا في هذه الدّراسة قراءة الدّلالات التاريخيّة لقوانين التطوّر التقني للاتصالات فمركز الاهتمام في التفكير حول ثورة الاندماج إنّما ينبغي أن يؤدّي إلى فهم الاسلوب الجديد الذي بدأ يعيد إنتاج المجتمع لذاته، و إدراك مواقع النشاط المادّي و الرّمزي للفرد الاجتماعي لكي لا نغفل الحقيقة الوظيفيّة للدّموج في حدّ ذاتها و ما يترتّب عنها من تبدّل في ملامح الجيل الجديد لمهن الاتصال.
لقد أطنبت الأدبيات الواصفة، المفسّرة للاندماج في إثراء قصّة الوسائط التقنيّة بأنظمتها المركّبة المتواصلة إلى حدّ اعتبارها الحلقة المركزيّة التي يجري التفكير من داخلها لفهم الأبعاد الخارجيّة في حين نجد أنّ الاندماج، خصوصا عندما نعود إلى دلالات الحال المعاصرة، لا يختصّ به المجال الوسائطي فقط، إنّما يستمرّ على نحو يشمل، في الوقت ذاته، قطاع الخدمات و الفاعلين في الاتصال. و لقد احتلّ المفهوم ذاته في الدليل اللّغوي مستويات مترادفة تماما مع جغرافيته المركّبة القائمة اليوم.
فالاندماج لغة يعني، في المستوى الأوّل : الاجتماع. و يقال : " تدامجوا على الشّيء أي اجتمعوا " (2) والمقصود بذلك التقاء أكثر من طرف في آن واحد من أجل تحقيق هدف مشترك، وهو المعنى الذي يحيلنا إلى حقيقة التكتّل الجارية اليوم بين المؤسّسات وشركات الإنتاج بمختلف أصنافها، وقطاع الخدمات، وهو ما يعرف باندماج الفاعلين الصّناعيين.
فالاجتماع بوصفه صورة من صور التكتّل، إنّما تحدثه قيمة الشّيء في ما يطرحه من رهان، يكون بمقتضاه فعل التحالف أو التكتّل مشروطا بتقاطع الأهداف و التقاء المصالح، ولا يعدو الاندماج، ضمن هذا السّياق، أن يكون التقاء المصالح في الزّمن.
ينسجم حينئذ ما ورد في الدّليل اللّغوي من شرح لمعنى الاندماج، مع مظاهر التحالف المتنامية اليوم، أكثر من ذي قبل، بين شركات الإنتاج السّمعي المرئي وقطاعات إنتاج الإلكترونيات الاستهلاكيّة الكبرى في العالم و شركات الهاتف و الكابل، مظاهر برزت بالخصوص خلال العقد الأخير من القرن الماضي على نحو أدّى إلى ظهور أمبراطوريات ضخمة متعدّدة الاختصاصات مثل أمبراطوريّة [ تايم وارنر ] TimeWarner التي " بدأت باتفاقيّة اندماج شركتي [ وارنر كوميونيكيشنز] و [تايم إنكوربوريشين] برأس مال إجمالي مقداره 13،1 بليون دولار العام 1991. و قد ربط ذلك الاندماج بين منتج رئيسي لأفلام السّينما و عروض التلفزيون، و بين واحد من أكبر النّاشرين في العالم. و اليوم تعتبر مؤسّسة [تايم وارنر] أكبر شركــة في العالم للوسائط الإعلاميّة و عروض التسلية و يبلغ دخلها السّنوي 13 بليون دولار " (3).
لقد أعاد التقارب بين الفاعلين في الصّناعات السّمعيّة المرئيّة والمعلوماتيّة والاتصالات تركيبة المشهد الإعلامي والاتصالي من جديد، و لاحت قطاعات، ظلّت لوقت طويل متباعدة، مستقلّة بذاتها، تعمل ضمن نسق متماسك تحكمه قواعد التكتل السّارية على أكثر من صعيد. فإنتاج المعلومات والمضامين والخدمات، إنّما يتحقّق اليوم في حدود منظومة من البنى المركّبة تجمع كذلك البث والتوزيع.
كما أفاد هذا التقارب تطوير قطاع الخدمات وجعله أكثر مرونة بالنّسبة إلى المستخدمين الذين يجدون في أسلوبه المندمج مجالا واسعا لتحقيق مستويات متفاوتة من التفاعل والبحث وكسب المعرفة، خصوصا وأنّ المرتكزات الرّقميّة تسمح بنقل وتخزين كلّ أصناف المضامين : المسموعة والمرئيّة والمكتوبة. فالخدمات التي استمرّت، خلال العقود الماضية، متمركزة في حدود أنظمتها الوسائطيّة المغلقة، بدأت تستقرّ ضمن هندسة وسائطيّة مندمجة " الضفائر "، ، و " مفتولة كالحبل " ، وهو المستوى الثاني لمعنى الاندماج حسب ما ورد في الدليل اللّغوي. ويقال : " دمجت الماشطة الشّعر دمجا وأدمجته أي ضفرته، وكلّ ضفيرة على حيالها تسمّى دمجا واحدا "(4)، ويقال أيضا :" أدمج الحبل إذا أحكم فتله "(5)، والتوافق واضح هنا بين الدّلالة اللّغويّة ودلالات الحال. ويكفي التمعّن في طبيعة الخدمات المعروضة من خلال النصوص أو الصّور أو الصّوت والتي يمكن للمستخدم الوصول إليها باعتماد مرتكز واحد أو قناة واحدة. فبرامج الإذاعة أو التلفزيون أو مضامين الصّحافة المكتوبة والإعلانات بمختلف أجناسها، يمكن استقبالها عبر شبكة الإنترنت. والوصول إلى الشبكة في حدّ ذاته، يتحقّق اليوم باستخدام تقنيات اتصالية مرنة تتيح توفير كمّ كبير من الخدمات، كالبريد الإلكتروني، والعروض التجاريّة والثقافيّة، ومساحات الترفيه، والتعليم والتكوين...
لقد أدىّ هذا " الفتل " تدريجيّا إلى ظهور مواد ملتيميديا جديدة، كان لها الأثر البالغ في تشكّل ملامح ما يعرف اليوم بالاقتصاد الرّقمي.
إنّ حجر الزاوية لكلّ ما يحدث من تبدّل مستمرّ في جغرافيّة الإعلام والاتصال، يعود إلى درجة النضج الفائقة التي بلغتها الرّقمنة Numérisation إذ أتاحت دمج تكنولوجيات لم تكن عناصرها قابلة للوصل بعضها ببعض. فالمعلوماتيّة و المجال السّمعي المرئي والاتصالات توفّرت لعناصرها, و وظائفها القاعدة التكنولوجيّة المشتركة بما يجعلها تنحسر هيّ الأخرى في حدود بنية متسقة من التطبيقات الجديدة وتستقرّ فيها. ومن الواضح أنّ اندماج هذه القطاعات قد أحدث تراكما كبيرا في مستوى إنتاج المعرفة ومرونة فائقة في نقل صناعات المضمون. كما أنّه بدأ يغيّر من علاقة الفرد بالوسائط التقنيّة على نحو يقود إلى تبني ثقافة جديدة في التفكير والسّلوك. فالتلفزيون لم يعد مصدر الصّورة الوحيد الذي ينقل لنا أخبار العالم في صيغها النشطة، إذ بإمكان المتلقين للمواد الإخباريّة متابعة ذلك عبر شبكة الإنترنت باعتبار دخول التلفزيون (في) مدار جديد هوّ "الواب"، وباعتبار كذلك دخول "الواب" (في) مدار قديم هوّ التلفزيون. فما كان محضورا في التلفزيون أو في بعض القنوات التلفزيونيّة، من حقائق اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة، وعنف وإثارة، ظلّ مباحا في حضور تقنية الدموج. وما كان تصويره مستعصيا بالكاميرا العاديّة أصبح تجسيمه ممكنا من باستخدام النظام الافتراضي، والاتصالات الهاتفيّة تجاوزت إلى حدّ مّا أسلوب استخدام الهاتف الثابت والمنقول وأصبح من الممكن تحقيقها عبر بعض الأنظمة المتاحة في شبكة الإنترنت انطلاقا من الحاسب الشّخصي وبتكلفة أقلّ بكثير من تكلفة المكالمات التقليديّة، ذلك أنّ الاتصالات دخلت، هيّ الأخرى (في) أنظمة الحاسب وظلّت وظيفة من وظائفه المركّبة.(6)
تلخّص حقيقة " الدخول " هذه، المستوى الثالث لمعنى الاندماج كما ورد في الدليل اللّغوي، ويقال : " دمج الشّيء دموجا إذا دخل في الشّيء واستحكم فيه "(7)، ويعكس هذا المعنى طبيعة الاندماج الحقيقي للشبكات والطرفيّات.
إنّ التطوّر الذي يحدث اليوم، سواء تعلّق الأمر بظهور وسائط جديدة للإنتاج والتخزين والبثّ، أو بابتكار أساليب حديثة للتواصل والتفاعل، إنّما يسير في اتجاه مضاعفة الدّمج و " الفتل " لما هوّ مندمج من الدّاخل، معنى ذلك أنّ كلّ تقنية جديدة تطفو على السّطح لا تشكّل مجرّد إضافة (نوعيّة) إلى تقنية سابقة كالطّباعة بالنّسبة إلى المخطوط، والسّينما بالنّسبة إلى الفوتوغرافيا، والإذاعة بالنّسبة إلى الصّحيفة...، بل تحدث دمجا تستحكم بمقتضاه في التقنية السابقة وتسكنها لتظلّ في آخر الأمر مهيّأة بذاتها للتآلف مع تقنية أخرى لاحقة. وهكذا يستمرّ التطور التقني في اتساع حلقة الاندماج التي تشكّل العصب المركزي لمجتمع المعلومات، والمحرّك الدينامي للتنمية. لأنّ تقنية الاندماج، بوصفها تقنية وصل بين تكنولوجيا الاتصالات وتكنولوجيا البرمجيّات، وعتاد الحواسب، وهندسة النّظم والتحكّم...فتحت آفاقا جديدة لإنتاج المعلومات ومعالجتها وتخزينها وتبادلها بأسلوب سريع، مرن، لا مثيل له في تاريخ الاتصالات إلى حدّ اعتبار المعلومة اليوم الطاقة الحقيقيّة التي تحكم قوانين التطوّر الصّناعي والاجتماعي. ثلث المستخدمين للإنترنت في الولايات المتحدة (8) يعتقدون أنّ نظام حياتهم قد تغيّر تماما : تراجع كبير للعلاقات الحميميّة، هجر المغازات والمتاجر، عدم الإقبال على متابعة وسائل الإعلام التقليديّة... إنّهم يستهلكون الوقت، الوقت الكثير، في البحث عن المعلومات في الشّبكة. فالمعلومة هيّ الموصلة للقصد، مهما كانت طبيعة القصد.
تقنية الاندماج هيّ حينئذ تقنية منتجة للطّاقة. وخلافا لطبيعة الطاقة التقليديّة التي كلّما تزايد إنتاجها وتبادلها وتخزينها، تزايد تبديدها عند الاستخدام، وهي بهذه الصّورة طاقة تتبدّد أنتروبيّا، نجد أنّ الطاقة الحديثة، ونعني بذلك المعلومات، تتضاعف كلّما تنامى حجم إنتاجها وتخزينها وارتفع نسق تبادلها، لأنّ المعلومة التي توثّق أو التي يقع استغلالها بشكل أو بآخر تولّد جيلا جديدا من المعلومات يكون مصدرا لظهور جيل آخر، وهكذا يستمرّ منحنى الاستغلال في التصاعد. فالمعلومات، بهذه الصّورة، طاقة منتجة، متجدّدة على الدّوام.
إنّ الثورة الحقيقيّة في كلّ ما يحدث من تبدّل تقاني وعلائقي، لا تتمثّل في الاندماج، ولا في ظهور وسائط الاتصال الجديدة كما يشار إلى ذلك بشيء من المغالاة في العديد من أدبيّات الاتصال (9)، إنّها كامنة في احتلال المعلومات لصدارة القوانين والقيم المنظّمة لحياة الفرد والمجتمع. فالتطوّر التقني إنّما يجري على نحو يمنح المعلومات مركزيّة إنتاج النفوذ وإدارة العالم، والاندماج ليس إلاّ نتيجة لهذا المنطق.
ومن الطبيعي وسط هذا المشهد الذي تميّزه أساليب العمل اللاّماديّة، الحديث عن مجتمع المعلومات بوصفه حقيقة سوسيولوجيّة لها سياقها التاريخي والحضاري (10) ، على الرّغم من وجود فجوات عميقة في مستوى تدفّق المعلومات واستثمارها : الفجوة بين الشمال والجنوب، والفجوة بين بلدان الشمال في حدّ ذاتها (11). فالمجتمعات في العالم لا تعيش عصر المعلومات بوتيرة واحدة وأنماط متجانسة. إنّ دخولها الحلبة المعلوماتيّة يشهد مستويات متفاوته ولافتة للانتباه في العديد من الحالات، وتفيدنا الدّراسات أنّ 45% من المستخدمين للإنترنت في العالم ينتمون إلى بلدان أمريكا الشماليّة في حين نجد 0،8% من المستخدمين ينتمون إلى البلدان الإفريقيّة (12).
لم تمنع هذه الفجوة الرّقميّة انتشار ثقافة جديدة بدأت ملامحها تتسرّب حتى إلى داخل المجتمعات التي لا يزال انخراطها ضمن النظام الرّقمي بطيئا وأحيانا لا دلالة له، ذلك أنّ تكنولوجيا المعلومات ليست مجرّد وسائط يسخّرها الإنسان لتطوير بيئته الثقافيّة والاقتصاديّة، وتحقيق متطلّبات عصره، ولعلّ الرّأي السّائد قد يعتبرها أدوات حياديّة غارقة برمّتها في محيط المكوّنات الماديّة. إنّ تكنولوجيا المعلومات، كغيرها من الابتكارات التقنيّة السّابقة، مدجّجة بالقيم التي تغيّر من تفكيرنا وسلوكنا، كما يشير إلى ذلك برينو لاتور وريجيس دوبري، بل إنّها المولّد الحقيقي للتفكير والسّلوك، فهي تصنع الفرد أكثر ممّا يصنعها.
وإنّ من أبرز ملامح هذه الثقافة هوّ أنّ الرّقميّة قد شرعت بعد في إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعيّة على نحو ظلّ فيه التفاعل الاجتماعي مبنيّا على الخطابات المتبادلة السّارية في كيان المجتمع، معنى ذلك أنّ التفاعل الاجتماعي، لا يتحقّق إلا باستخدام الوسيط التقني بوصفه، أوّلا، أداة لإنتاج المضامين ونقلها، وهذه حقيقة صرفت النظر في مجال الإعلام بالخصوص إلى الاهتمام بكيفيّة السيطرة على الوسيط المادي أكثر من الاهتمام بإنتاج المضمون الذي سينقله، وتتجلّى مظاهر السّيطرة هذه في سعي المؤسّسات الأكاديميّة والمؤسّسات التعليميّة ومؤسّسات الخدمات، سعيها إلى وضع خطط للتدريب العملي والتكوين في مجال استخدام الوسائط التقنيّة، والبرامج والأنظمة الحاسوبيّة، ولاعتباره ثانيا أداة التفاعل الفعلي بين المرسل والمتلقي وبين المستخدم والمضمون، لأنّ التفاعليّة في الجغرافيا الجديدة للإعلام والاتصال لا تتحقّق بين مرسل ومتلقي كما وصفها فينير في الخمسينات من القرن الماضي ضمن دراسات رجع الصدى في بعده الفيزيائي والهندسي، أو كما أوضحها روبار أسكربيت في نقده للنماذج الخطيّة للاتصال، إنّ التفاعليّة اليوم تتجلّى في الدور الذي يتحوّل المتلقي بمقتضاه إلى فاعل في " وضع الأجندة ". فالثقافة الرّقميّة، في نهاية المطاف، قد أوجبت إعادة النظر من جديد في أساليب التعليم والتدريب العملي.
التكوين الأكاديمي في مجال التلفزيون
يشهد التكوين الأكاديمي في مجال التلفزيون بأقسام الإعلام العربيّة تماثلا بارزا في الخطط والأهداف، يتجلّى بوضوح في ما تتضمّنه الخطط الدراسيّة من مقرّرات تعنى بتطوير مهارات الطالب في الكتابة الإخباريّة التلفزيونيّة وإنتاج البرامج التلفزيونيّة. ويكاد التكوين لا يخرج عن هذه الدائرة " النموذج" التي يستمرّ العمل بمكوّناتها على الرّغم من تبدل المشهد السّمعي المرئي مثلما أشرنا إلى ذلك في مدخل البحث. وندرج في ما يلي عيّنة من مستويات التكوين المتخصّص في الإذاعة السّمعيّة المرئيّة بكلّ من تونس ومصر والسعوديبّة والكويت (13)
جدول رقم :1
مقرّرات التخصص في الإذاعة السّمعيّة المرئيّة بأقسام الإعلام العربيّة
الجامعة أو المعهد |
مقرّرات التخصص في الإذاعة السّمعيّة المرئيّة |
تونس |
مدخل للتلفزيون* صحافة الإنتاج التلفزيوني* ورشة الإنتاج التلفزيوني (ورشة إنتاج إعلامي متخصّص حسب حاجيات المحيط واختيارات الطالب)* الإلقاء. |
مصر |
الأخبار والبرامج الإخباريّة* إنتاج البرامج في الرّاديو والتلفزيون* الدراما والنقد* إدارة المؤسّسات الإذاعيّة* الإعلان الإذاعي* الاتصال وتكنولوجيا الإذاعة* |
السعوديّة |
الخبر* الاتصال المرئي* البرامج الإذاعيّة والتلفزيونيّة* تشغيل الأستوديو الإذاعي والتلفزيوني* الإدارة والتخطيط في الإذاعة والتلفزيون* الإنتاج التلفزيوني* الدراما في الإذاعة والتلفزيون* الكتابة للإذاعة والتلفزيون* تدريب عملي إذاعة تلفزيون* |
الكويت |
تحرير البرامج الإخباريّة* الإخراج الإذاعي والتلفزيوني* الإعلان الإذاعي والتلفزيوني* برامج المنوّعات والبرامج الثقافيّة* تدريب ميداني إذاعة وتلفزيون* |
يستبان من عيّنة الخطط المعتمدة في تدريس تخصّص الإذاعة السّمعيّة والمرئيّة بأقسام الإعلام في كلّ من مصر والسّعوديّة والكويت وتونس، أنّ التكوين يجري على صعيدين بارزين :
- الصعيد الأوّل وهو البارز من خلال القراءة العموديّة للجدول ويتمثّل في الاعتناء المفرط بالأداة أي بالوسائل المحدثة لبناء المضامين التلفزيونيّة مثل التدرّب على أساليب التصوير والإضاءة والإخراج وتشغيل الأستوديو. وهذه أبعاد رئيسة في التكوين الإعلامي السّمعي المرئي، ولا ننفي مدى أهميتها خصوصا لمّا نتحدث عن صناعات المضمون والصناعات الثقافيّة القائمة اليوم على جيل من الوسائط التقنيّة المتغيّر بنسق متسارع. ولقد ترسّخت هذه الأبعاد منذ ظهور التلفزيون في البلدان العربيّة التي حرصت حكوماتها آنذاك على أن تكون الأعمال التقنيّة هي الحلقة المركزيّة في التكوين، إلى حدّ ترسيخ الاعتقاد بأنّ من يسيطر على الوسيلة يسيطر كذلك على المضمون، وترتّب عن هذا الوضع ظهور تقنيين في مجال العمل التلفزيوني يديرون شؤون الرّسائل الإعلاميّة بمهاراتهم التقنيّة. لقد ساد هذا التوجه وبلغ الأوساط الأكادميّة في كليّات الإعلام ومعاهده بالبلدان العربيّة والإفريقيّة أيضا، واستمرّ العمل به إلى يومنا هذا على الرّغم من تبدّل المشهد الإعلامي في شقيه المادي والرّمزي.
- الصعيد الثاني وهو المتعلّق بالتركيز المفرط على القوالب الصحفيّة أثناء حلقات التكوين الإعلامي التلفزيوني. وهي إذ تعدّ من المحاور المركزيّة في التكوين، فإنّ الإلمام بتطبيقاتها لا يمكن تجاوزه بأيّة حال من الأحوال. فالمضمون الإعلامي لا يكسب صفته الإعلاميّة إلا في حدود القوالب المشار إليها. تبدو هذه القوالب من خلال عيّنة الحال، وكذلك من خلال الملاحظة، المادة الأساس في التكوين مثلما تحيلنا إليها أسماء بعض المقررات كـ : "الأخبار والبرامج الإخباريّة " و " الكتابة الإذاعيّة " و " الإعلان الإذاعي " ، وكأنّ مجرّد الإلمام بها يؤهّل الطالب لأن يكون صحفيّا محترفا.
إنّ التكون الإعلامي في كلّ طور من أطواره ينبغي أن يأخذ في الاعتبار المسألة التقنيّة بوصفها مدخلا لا غنى عنه في التكوين والتدريب، لأنّه لا وجود لمضمون إعلامي خارج منظومة الوسائط التقنيّة. فالتكوين الإعلامي ينبغي أن يأخذ في الاعتبار،مثلا، خصائص البيئة الجديدة للنظام الرّقمي الذي بدأ يغيّر من علاقة الصّورة بالواقع، ومن علاقة المبدع بالصّورة. ففي المستوى الأوّل تتخطّى الصّورة مرحلة نسخ الواقع وتكراره، لتظلّ بعدا رمزيّا يجسّم تمثلا أو "تصوّرا" لواقع لا وجود لحقيقة ماديّة تجسّمه، ولا يعدو أن يكون واقعا افتراضيّا يؤثّر في مجال الواقع المحسوس. وهذا الواقع الافتراضي إنّما يتمّ إدراكه بالتصوّر ويتحقّق تجسيده بالنظام الرّقمي ثلاثي الأبعاد، أو ما يعرف في الأوساط المهنيّة بالنّظام الافتراضي. أمّا المستوى الثاني وهو الذي يشير إلى دور المبدع، فإنّه يبرز أهميّة التمثّل في "خلق" الصّور بدل من اشتقاقها من الواقع المادي المحسوس وتوظيفها طبقا للمقاصد الاتصاليّة. معنى ذلك أنّ النّظام الرّقمي قد أطلق العنان لتمثلات المبدعين التي أصبح من الممكن "بث الرّوح" فيها إعلاميّا واتصاليّا. فعلاقة المبدع بالصّورة في هذه الحالة هي علاقة ابتكار لما لا وجود له على أرض الواقع.
كما أنّ التكوين الإعلامي مشروط بوجود محاور تعنى بشرح القوالب الصحفيّة وتطبيقها، ذلك أنّ المضامين الإعلاميّة لا تكتسي صفتها تلك إلاّ إذا تشكّلت ضمن قوالب تعرف لدى العديد من الأوساط الأكاديميّة بالأجناس الصّحفيّة وهي تختلف في صيغها من صنف إعلامي إلى آخر : ونجد في الإعلام التلفزيوني مثلا الأجناس التالية : النقل أو ما يسمّى عند البعض بالريبورتاج، والتحقيق، والتقرير الإخباري، والمقابلة التلفزيونيّة...
ولكن هل يكفي ذلك لإنتاج المضمون الإعلامي المشحون بالقيم والمقاصد. أليس الأصل في إنتاج المعنى وصناعته علم العلامات الذي هو عماد استقصاء الأنماط المتنوّعة والمختلفة من حلقات الإعلام والاتصال.
ولمّا بحثنا، ضمن خطط التدريس الإعلامي التلفزيوني المعتمدة في أقسام الإعلام العربيّة، عمّا يحقّق معادلة في التكوين تقوم على اعتبارات علاميّة وتقنيّة في الوقت ذاته، كاعتماد تحليل الخطاب مادة علميّة تخدم صلب الإنتاج الإعلامي وأغراضه، نجد أنّ اللجوء إلى مثل هذه المواد غائب عن شبكة البرامج الأكاديميّة في الإعلام. ونكاد نفهم من وراء ذلك أنّ موضوع الخطاب وأدوات تفكيكه لا يمكن أن ينتسب إلى قسم الإعلام بالصّورة التي هوّ عليها في أقسام أخرى مثل قسم اللّغة العربيّة في العديد من كليّات الآداب والعلوم الإنسانيّة بالبلدان العربيّة، لكونه يعدّ من المباحث النظريّة التي لا تخدم مقرّرات الإعلام التطبيقي. ونجد هذا الفكر سائدا لدى الكثير من الإعلاميين والباحثين أيضا.
إن قضيّة التكوين الإعلامي هيّ، في المقام الأوّل، قضيّة مضمون لا يجوز، في تقديرينا، عزلها عن سياقها الطبيعي في ما تحتاجه من أدوات لتفكيك الخطاب الصحفي بمختلف مراتبه. فأيّ إنتاج يسعى إلى تحقيقه الطالب خارج نظام الدلالة والعلامة ؟ أليس من الأجدر، في تدريس الدّعاية و الإعلان، و التحرير الصحفي و الدراما و الكتابة إلى الإذاعة و العلاقات العامّة و تحرير البرامج الإخباريّة... أن يدرك الطّالب دلالات الخطاب في النًص الإعلاني و الدعائي، و الإخباري و مدلولات الصّورة، البلاغيّة و الإلكترونيّة في ما يتلقّاه من معارف في العلاقات العامة و الإذاعة و الصّحافة لكي يكون قادرا على صناعة صورة للمؤسّسة أوالتخطيط لحملة صحفيّة أو إعداد نصوص في الإعلان و الدّعاية أو بلوغ القصد في ما يقوم به من إخبار... ألا تحتاج كلّ هذه المقرّرات لرابط أساسي يمنحها البعد المعرفي الذي هوّ الأصل في الإنتاج. وإذا سلّمنا بحقيقة أنّ كل إنتاج إعلامي لا بدّ له من مقاصد يبلغها، كيف يتحقّق بلوغ القصد خارج نظام الدال والمدلول ؟
على صعيد آخر، نجد أنّ التكوين في مجال الإعلام التلفزيوني لا يستند إلى أدبيات في فهم محيط الصّورة ودلالاتها على نحو يقود إلى التحكّم في آليات إنتاجها والحال أنّ العمل التلفزيوني يقوم كليّا على ما للصورة من مستويات فيزيائيّة ودلاليّة تحدّد طبيعتها.
نحويّة الصّورة في مقرّرات الإعلام التلفزيوني.
تفتقد خطط تدريس الإعلام بأقسام الإعلام العربيّة إلى مداخل تبسّط مفاهيم الصّورة ودلالاتها في الخطاب الإعلامي على وجه الخصوص. فالتعامل مع الصّورة التلفزيونيّة يلوح من خلال مضامين الدروس الموجّهة لطلاب الإعلام يجري على نحو يميّز وظيفة الأداة في التعبير إذ يتدرّب الطالب على كيفيّة الكتابة بالكاميرا من دون الاستناد إلى الحقول الدلاليّة المفسّرة لخطاب الصّورة، والحال أنّ مراحل التكوين الأولى في الإعلام، هيّ التي ينبغي أن ينبثق منها الوعي المبني بقضايا الصّورة بما يسمح للطّالب بالسّيطرة على نحويّتها، قراءة و تحليلا و إنتاجا.نحن لا ندّعي انعدام بعض المقاربات من خطط التدريس في العيّنة المذكورة، التي تحيل إلى موضوع الصّورة، فقد نطالع حضور مقرّرات تمتلك بامتياز بذور التفكير في مجالي التصوير و التصوّر مثل " أسس التصوير " الذي يدرّس بجامعة الملك سعود ويهتمّ بقواعد التصوير في علاقتها بالوسائط المحدثة للشّكل و المضمون، و كذلك " الأدب العربي الحديث " الذي يدرّس في جامعة القاهرة ويعنى بدراسة القصّة القصيرة و الرّواية، في مرحلة أولى ثمّ المسرحيّة والشّعر، في مرحلة ثانية، و هي في تقديرنا حقول لا تخلو من البحث في اللّفظ و المعنى و دلالة الصّورة البلاغيّة و بناء المعنى... و نكاد نجزم أنّ أغلب المقرّرات في مستوى التكوين الأساسي قد تتعرّض إلى مقاربة موضوع الصّورة بشكل أو بآخر مثل علم النّفس الاجتماعي و الدعاية و إقناع الجماهير، و العلاقات العامّة، و الرّأي العام، و الدّراسات الأدبيّة، و علم النّفس الإعلامي.
و لكن هل بإمكان المقاربات المتناثرة عبر مقرّرات مختلفة، تأسيس تراث علمي متماسك يترجم الأبعاد المركّبة للصّورة و يدرسها. و هل يتسنىّ للطاّلب الذي يتوجّه للتخصّص الدقيق في الصّحافة أو في الإذاعة أو في الاتصال و العلاقات العامّة، كسب الرّصيد المعرفي الذي يؤهّله للكتابة بالصّورة و إلى الصّورة من دون التغلغل في المداخل الرّئيسيّة المفسّرة لخطاب الصّورة.
إنّ المهن الإعلاميّة و الاتصاليّة بشكل عام، فضلا عن كونها تتحقّق بالممارسة و التعامل المباشر مع الوسط المادّي، فإنّها تحتاج إلى منطلقات سيميولوجيّة تدرس مادة التعبير و معنى التعبير التي هيّ عماد العمل الإعلامي و الأصل في التواصل الاجتماعي. معنى ذلك أنّ التعبير كشكل من أشكال الاتصال لا يستقلّ عن الدور الذي تقوم به الصّورة في عمليّات التفكير المركّبة بل لا يتحقّق إلاّ في دائرة التمثّل و التصوّر و التصوير، وهي الدّائرة التي تسكنها حمولة الرّموز الثقافيّة.
لم نعثر في خطط التدريس بأقسام الإعلام العربيّة ضمن عيّنة البحث، على مقرّرات تمكّن الطالب من فهم علم العلامات و إدراك أدوات تحليل الخطاب و سيميولوجيا الصّورة على الرّغم من أنّ التخصّص في الإعلام عائم برمّته في قضايا الدّال و المدلول و القصد التي تتشكّل منها الوظائف الاتصاليّة كما يذهب إلى ذلك البعض من السّيميائيين مثل مونان و مارتينيه. فبناء المضامين الإعلاميّة وإحداث التأثير و تعديل الرّسائل الموجّهة للجمهور و صناعة الرّأي و ضبط السّلوك، كلّها أفعال مشروطة بـ :" القصد "، و طالما هيّ " قصديّة "، فهي تتحقّق بالتحكّم في نظام العلامات و الرّموز.(14)..
إدراك نحويّة الصّورة ليس هو الحلقة الوحيدة الغائبة في التكوين السّمعي المرئي، بأقسام الإعلام العربيّة، فالتوجّه السّائد في التكوين لا يكترث في أغلب مناهجه بحقيقة الدّموج التي يعيشها التلفزيون، ولا يعتبر التلفزيون تقنية مندمجة، قابلة للوصل مع جيل جديد من وسائط الإنتاج الرّقميّة. إنّه يتحقّق كما لو أنّ التلفزيون تقنية مستقلّة بذاتها. وواقع الحال هوّ أنّ الصناعة السّمعيّة المرئيّة تقوم على ما تتيحه مهن الإعلام والاتصال الجديدة من إمكانات واسعة في الرّسم والتجسيم باستخدام الوسائط المتعدّدة.
الوسائط المتعدّدة وتطبيقاتها في التكوين الإعلامي التلفزيوني
لا شكّ أن التسارع التكنولوجي في الاتصالات قد أربك كثيرا مهن الإعلام والاتصال خلال العشريّة الأخيرة، وذلك بظهور مهن جديدة أفرزها واقع الإندماج،مثلما أشرنا إلى ذلك سابقا،وأتاحتها الأنظمة الحاسوبيّة المتطورة التي فتحت أفاقا عريضة في مجال الصّناعات الإعلاميّة. إنّ ما يميّز هذه المهن هو حضورها في كلّ التخصّصات الإعلاميّة والاتصالية وغيرها من التخصّصات في العلوم أخرى، لكونها تنبثق كلها من رحم واحدة وهي التي تلخّص حقيقة الاندماج، وندرج في ما يلي البعض منها للنظر في مدى ارتباطها الوثيق بالإعلام التلفزيوني.
متخصّص في معالجة الصّورة الرّقميّة.(Infographiste)
متخصّص في التجسيم بواسطة الكومبيوتر.(graphiste)
متخصّص في إنشاء مواقع الواب (Webmaster).
متخصّص في التسويق والتطوير التجاري للمواقع الإلكترونيّة وتنشيطها (responsable marketing -pub)
متخصّص في الكتابة للواب. (Redacteur web)
متخصّص في الإنتاج للواب. (producteur web)
متخصّص في اللّغات البرمجيّة. (developpeur)
متخصّص في الرّسم للواب. (Web designer)
يمكن اعتبار " الواب " قلب الدائرة في كلّ ما يتراكم من مهن إعلاميّة واتصاليّة اليوم. وإذا نظرنا إلى الإعلام التلفزيوني على اعتبار أنّه صناعة تتحقّق باستخدام الوسائط الرّقميّة المندمجة، نجد أنّ المهن الجديدة، المشار إليها، هي صلب ما يجري في الأعمال التلفزيونيّة. فالتلفزيون قد احتل فضاء الواب، والواب تحوّل بدوره إلى فضاء تلفزيوني بأتمّ معنى الكلمة، وهذا يعني أنّ آليّة الإنتاج السّمعي المرئي التي كانت تميّزها سلسلة الأعمال التقنيّة الخاصّة بالتلفزيون كالتصوير باستخدام الكاميرا التقليديّة والتركيب الخطّي، أصبحت بفعل الدّموج التقاني، محكومة بقواعد الكتابة إلى الواب.
وعلى الرّغم من وجود هذا التداخل بين التلفزيون بوصفه وسيلة إعلام جماهيريّة، والواب كفضاء للمعرفوة والذكاء الجماعي،سواء في مستوى الإنتاج والبث أو في مستوى التلقّي، فإنّ المواد الخاصة بتعليم أسس الوسائط المتعدّدة وتطبيقاتها، نجدها تنتسب تنظيميّا إلى تخصّص الملتيميديا، ولا تدرّس في تخصّص التلفزيون على نحو ما يكون عليه التدريس في التصوير أو التركيب أو المزج.
يعطّل هذا الفصل بين التخصصات المذكورة عمل المبدع لأن الإبداع في حدّ ذاته، لا يتحقّق إلا في حال الإحاطة باستخدام الوسيط التقني، والرّمزي معا. لذلك فإنّه من الضروري عند النّظر في أمر الإعلام التلفزيوني، والإعلام بشكل عام، التفكير في مراجعة المناهج والخطط الدراسيّة،وإعادة كتابتها بما يستجيب لمقتضيات الواقع الوسائطي الجديد، خصوصا لمّا نعلم أنّ الصّناعات الثقافيّة، والتي يمثّل فيها التلفزيون المحرّك الدينامي لإنتاج المضمومن، لكونه حسب عبارة ماتلار موزّعا آليّا للقيم، أنّ هذه الصناعات، لا تجد مرونة التدفق إلا عبر الأنترنت.
إنّ قضيّة التكوين الإعلامي في نظرنا، ليست قضيّة تدريب عملي مكثّف ولا هيّ مسألة نقص في الكفاءات المتخصّصة أو غياب أجهزة متطوّرة،كما يتراءى للكثير من الخبراء والباحثين في الإعلام والاتصال (15) ولو كانت هذه العوامل تشكّل بالفعل العلّة العليا لضعف التكوين،لوجد المشكل طريقه إلى الحلّ في حدود زمنيّة وجيزة، فليس من الصّعب توفير الحدّ الأدنى من التجهيزات الضّروريّة والمهارات الفنيّة، وإنّه لمن اليسير إعادة النظر في الجدولة الزّمنيّة المخصّصة للتدريب العملي.
إنّ المشكل مطروح في بعده العلمي والنظري. فــظهور التلفزيون في البدان العربيّة لم تحتضنه، ولم ترافقه أدبيّات تعنى بتحليل الخطاب المرئي كالتي لمع في إنتاجها رولان بارت وكريستيان ماتز وإمبرتو إيكو، ولم يتكوّن له رصيد من المعارف يؤسّس لبناء المعنى السمعي والمرئي على غرار ما حدث في أوروبا. إنّ ظهور التلفزيون في البلدان العربيّة احتضنه خطاب السلطة السّياسيّة ورافقه وظلّ يرافقه إلى يومنا هذا على الرّغم من تبدل المشهد الإعلامي بحلول الفضائيات والتلفزيون الرّقمي الأرضي. فهو في واقع الأمر ظهور لوسائط تقنيّة ناقلة لخطاب القوى السّياسيّة المهيمنة في المجتمع. فمدار الأمر في موضوع التلفزيون هوّ : كيف ينقل التلفزيون خطاب السلطة في المجتمع وكيف يكرّر صورتها فيه ويضاعفها. ظهور التلفزيون في البلدان العربيّة لم يكن مهيّأ لصناعة حاضر المجتمع ومستقبله، ولذلك لا نجده مهيّئا لاستيعاب ما يجري في أقسام اللّغة من تكوين في المسائل اللسانيّة، وما يتفرع عنها من تخصصات تهتمّ بالخطاب والدلالة، بل كان غارقا برمّته في المسألة التقنيّة التي تلوح للكثير من المكوّنين صلب صناعة الرّسالة الإعلاميّة، واليوم نراه لا يستوعب بالقدر المطلوب، ما يجري في مجال الملتيميديا من أعمال رائدة في صناعات المضمون.
موضوع التكوين الإعلامي ينبغي،في نظرنا،إعادة هيكلته انطلاقا من التفكير في إحداث التزاوج بين الرّمز والأداة، لكي تكون الوسيلة هي الرّسالة على حدّ عبارة ماكلوهان ومن سبقه في الإشارة لهذا المعنى كالجاحظ وابن خلدون، وتكون الرّسالة هي الوسيلة انسجاما مع الجغرافيا الجديدة للإعلام والاتصال.
الهوامش
1- ريجيس دوبري، محاضرات في علم الإعلام العام، الميديولوجيا، ترجمة فؤاد شاهين، وجورجيت الحدّاد. دار الطليعة بيروت، 1991. ( انظر في هذا الصدد، المحاضرة السّابعة ديناميّة الرّكيزة، والمحاضرة الثامنة، مفهوم المجال الوسائطي.
2- انظر لسان العرب لابن منظور.
4- لسان العرب، مرجع سابق.
5- لسان العرب، مرجع سابق.
6- انظر في هذا الصدد : Michel BERA, La machine Internet, Ed. Odile Jacob 1999
Laurent Cohen Tanugi, Le nouvel ordre numérique, Ed. Odile Jacob, 1999.
Mattelard Armant, la mondialisation de la communication, Paris
Pierre Lévy, L’intelligence collective,
7- لسان العربن مرجع سابق.
8- انظر المجلّة التخصّصة في تكنولوجيا الإعلام والاتصال : S.V.M, Juin 2000
9- لقد أطنبت الكثير من الأدبيات التي درست حقيقة الاندماج التقاني، إذ اعتبرت الاندماج ثورة حقيقيّة في حين أنّ الاندماج هو نتيجة ثورة تكنولوجيّة سابقة.
10- الصادق الحمّامي، المساءلة النّظرية "لمفهوم مجتمع المعلومات" الإذاعات العربيّة، عدد 3، 2005.
11- نبيل علي العرب وعصر المعلومات، مرجع سابق.
12- S.V.M مرجع سابق.
13- العيّنة المدرجة ضمن هذه الدراسة، تمّ اعتمادها في بحث سابق كنّا أعددناه لفحص المراتب التي تحتلّها الصّورة في الخطط الدراسيّة بأقسام الإعلام العربيّة. وللتحقّق في ما إذا كان لدروس التخصّص المكتوبة و السّمعيّة المرئيّة مجال معرفي، تستند إليه أساليب الكتابة بالصّورة و إلى الصّورة. عبدالله الحيدري، مراتب الصّورة في أقسام الإعلام العربيّة، تحت النشر. 2005.
14- مرجع سابق.
15- العدد الرّابع من الإذاعات العربيّة لسنة 2004، اهتمّ بقضايا التكوين في المجال السّمعي البصري : صعوبات الحاضر وتحديات المستقبل، بعض الدراسات ضمن هذا العدد تبرز نقص التجهيزات التقنيّة والكفاءات البشريّة كأسباب مباشرة لضعف التكوين في مجال الإعلام بالبلدان العربيّة. انظر محمد طلال، واقع التكوين الإعلامي في مجالات الاتصال الإذاعي والتلفزيوني، الواقع وآفاق المستقبل. انظر كذلك عزّة عبدالعظيم محمد، تقييم التكوين العلمي والمهني في مجالي الإذاعة والتلفزيون، بين رؤية المؤسّسات الجامعيّة ورؤية الممارسين.
بيبليوغرافيا.
باللغة العربيّة
طاهر عبد مسلم، عبقريّة الصّورة والمكان، دار الشروق، عمان 2002
الصّادق الحمامي، المساءلة النّظريّة لمفهوم "مجتمع المعلومات" ، الإذاعات العربيّة، عدد3، 2005.
الصّادق الحمامي، " مجتمع المعرفة : رؤية نظريّة نقديّة " كتاب مجتمع المعرفة، المفهوم والخصائص، التحديات والرّهانات، منتدى الألكسو، 2004.
شاكر عبد الحميد عصر الصّورة، السلبيات والإيجابيّات، سلسلة عالم المعرفة الكويت، 2004.
عبداللّه الزّين الحيدري، الصّورة والتلفزيون، بناء المعنى وصناعة المضمون، جامعة البحرين، 2004.
شوقي العلوي، رهانات الإنترنت، منتدى الألكسو، 2004.
فرانك مرمييه (إشراف)، الفضاء العربي، الفضائيات والإنترنت والإعلان والنشر، ترجمة فريدريك معتوق، قدمس للنشر والتوزيع، 2003.
برنار توسان، ما هي السيميولوجيا، ترجمة محمد نظيف، إفريقيا الشرق، 2000.
التفكير في مجتمع المعلومات، أشغال الملتقى الدولي، تونس 7/8 أفريل 2005.
محمد محفوظ، العولمة وتحوّلات العالم، المركز الثقافي العربي، 2003.
أديب خضور، الإعلام العربي على أبواب القرن الحادي و العشرين، المكتبة الإعلاميّة، دمشق، 2000.
باللغة الفرنسيّة :
Auziol E, Le formateur et l’outil, chronique sociale, Lyon, 1997.
Badillo P.Y et Bourgeois D, « Technology, Education, and knowledge Transmission-theoretical Backgrounds and lessons from a pilot European project », colloque Ed-Media, Suisse2004.
Barthes R, Eléments de sémiologie, Revue, communication No 4 Le Seuil.
Hart I, “ new tools for learning ”, communication au colloque international “ L information et l’éducation ”, Ciment des nations, Marseille, 2000.
Jean-Louis Missika, La fin de
Jakobson R Essais de linguistique générale Tome 1 et 2 éditions de minuit.
Moeglin, P, « Changement de paradigme dans la formation ? Cles pour un débat », Cahiers millénaire 3 No 18,2000
Mattelart Armand, Histoire de la société de l information, Paris éditions
Miege Bernard, La société de l’information toujours aussi inconcevable, in revue européenne des sciences sociales, tome xl, No 123, Genève 2002.
Proulx, Serge, Les usages des technologies de l information, et de la communication : reconsidérer le champ d étude, Unesco, Paris,2001.
Tanugi Laurent, Le nouvel ordre numérique, Editions Odile Jacob, 1999.
Teyssier J.P, La télévision change de siècle, Le cherche midi éditeur, 1998.
Wolton Dominique, Internet et après, une théorie critique des nouveaux médias, Paris, Flammarion, 2000.
Wolton Dominique, Il faut sauver la communication, Ed. Flammarion, Paris, 2005.
الملخّص باللّغة العربيّة
يعرض هذا البحث مشكلة التكوين الإعلامي في مجال التلفزيون بأقسام الإعلام العربيّة، ويركّز على ضرورة إعادة